×

  قضايا كردستانية

   لعنة التاريخ



محمد شيخ عثمان

حين يصبح الصوت النيابي ثمنا لصفقة سياسية على حساب وحدة كردستان

ليست أخطر الأزمات السياسية تلك التي تنشأ من اختلاف الرؤى والمواقف، بل تلك التي تتحول فيها المؤسسات الدستورية إلى أدوات لتكريس التفرد، وتصبح المقاعد البرلمانية أرقاما قابلة للاستثمار في صفقات سياسية، بعيدا عن إرادة الناخبين والمصلحة الوطنية.

ما جرى في برلمان إقليم كردستان يوم الرابع من تشرين الثاني 2026، حين انعقدت الجلسة بحضور 52 نائبا من أصل مئة، رغم مقاطعة الاتحاد الوطني الكردستاني وحلفائه، لم يكن مجرد إجراء برلماني لاستئناف عمل المؤسسة التشريعية، بل محطة كشفت حجم الانقسام السياسي، وطرحت تساؤلات جدية بشأن دور النواب الذين اختاروا المشاركة في مسار لم يحظ بتوافق القوى الرئيسية.

إن المسؤولية لا تتوقف عند الأطراف التي قررت المضي بخطوات أحادية، بل تمتد إلى كل من أسهم في توفير الغطاء العددي والسياسي لها، وهو يدرك أن تجاوز الشريك الرئيسي من دون تفاهم مسبق بشأن أسس الحكومة العاشرة وتوزيع مسؤولياتها، قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الانقسام وإضعاف وحدة القرار الكردستاني.

فالمقعد البرلماني ليس ملكا شخصيا للنائب، ولا تفويضا مفتوحا للمساومة على المواقف، بل أمانة منحها الناخبون لمن يمثل إرادتهم ويدافع عن مصالحهم، وإذا كانت هناك إغراءات أو امتيازات أو ضغوط استُخدمت للتأثير في مواقف بعض النواب، فإنها تستوجب التحقيق والإثبات والمساءلة، لأن تحويل الإرادة النيابية إلى أداة في صفقة سياسية، إن ثبت، يمثل مساسا بجوهر التمثيل الديمقراطي.

إن النائب الذي يضع صوته في خدمة مسار أحادي، عليه أن يدرك أن المكسب الذي قد يحصل عليه اليوم، سواء كان منصبا أو امتيازا أو موقعا سياسيا، لا يعفيه من مسؤولية ما قد تتركه خطوته من آثار على وحدة المؤسسات والثقة بين القوى الكردستانية، فالحق الدستوري في التصويت لا يلغي المسؤولية السياسية والأخلاقية عن نتائج الاختيار.

لقد تأسست تجربة الحكم المشترك بعد توحيد الإدارتين عام 2006 على الشراكة والتوافق والتوازن، ولم تكن تلك الشراكة منحة من حزب لآخر، بل ضرورة لحماية كيان الإقليم وتعدد قواه السياسية. ومن هنا، فإن استخدام الأغلبية العددية لتجاوز الشركاء لا يعالج أزمة الحكم، بل قد ينقلها من خلاف على تشكيل الحكومة إلى انقسام يمس المؤسسات والقرار السياسي، وصولا إلى التلويح بتشكيل إدارات موازية.

أن المناصب تزول، والصفقات تنتهي، والتحالفات تتبدل، لكن المواقف التي تسهم في إضعاف وحدة الشعب ومؤسساته لا تسقط بالتقادم في ذاكرة الأجيال وتصبح مثار لعنة التاريخ الذي لن يسأل أصحاب تلك الأصوات عن عدد المقاعد التي أضافوها إلى نصاب الجلسة، أو عن المواقع التي حصلوا عليها، بل سيسألهم: ماذا قدمتم لوحدة كردستان؟ وهل حميتم الشراكة أم ساهمتم في تقويضها؟ وهل كان صوتكم تعبيرا عن إرادة الناخبين أم ثمنا لمكسب عابر وبائس؟

إن كردستان أكبر من الأحزاب والمناصب والصفقات الانتخابية، ووحدتها ليست ورقة تفاوض في صراع النفوذ، ومن يختار المكسب الآني على حساب المصلحة العامة، عليه أن يدرك أن ما يكسبه في حسابات السياسة قد يتحول إلى مسؤولية ثقيلة في ميزان التاريخ.

 

رئيس التحرير

 

 


08/11/2026