*عماد أحمد
*ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى
حين أتأمل أيام العمل السري، تحضرني وجوه رفاقي قبل الشعارات والقرارات، أولئك الذين كنا سندا لبعضنا في الأيام الصعبة، وتعلمت معهم أن الثقة لا تُبنى بسهولة، لكنها تُفقد بكل سهولة ،تلك السنين ليست مجرد جزء من تاريخنا السياسي، بل هي جزء من عمرنا وجوهر أرواحنا.
كان للعمل التنظيمي في السر معنى عميقا، فالكلمة كان يجب أن تُقال بمقدار، والرسالة أن تصل بأمانة، والموعد أن يُصان،وأقل قدر من الغفلة كان يمكن أن يعرض حياة رفيق للخطر، لم تكن المسؤولية هناك مجرد عنوان، بل كانت شعورا بأن مصير الآخرين مرتبطة بتصرفك.
في تلك الأيام، كان الإنسان قبل أ ن يُعرف بما يقول،كان يعرف بما يفعل،وكان المهم أين تقف في أوقات الشدة، وكيف تصون الأمانة، وإلى أي مدى أنت مستعد لتخفيف أعباء رفيقك، كان التنظيم يعيش على تلك الثقة، وعلى يقين بأن هناك شخصا لن يتخلّى عنك حين الحاجة.
حين أذكر أسماء الخال شهاب، والسيد آرام، والسيد علي العسكري، أفكر في مدى حاجة تاريخنا النضالي إلى الرواية والتدوين، فكل اسم يفتح بابا على جزء من الذكريات، جزء لا ينبغي أن يضيع مع مرور الزمن، وما بقي في ذاكرتنا يجب أن يُكتب بدقة وعدالة، حفاظا على الحقيقة وحقوق من كانوا معنا.
عندما أفكر أيضا في (الرئيس جلال طالباني) والسيد نه وشيروان مصطفى لا تقتصر الصورة على زعيمين فحسب، بل ُحيى أمامي جزء مهم من تجربتنا السياسية الخاصة، بالنسبة لي، تدفعني ذكرى مام جلال للتفكير في الحوار واتساع الأفق في العلاقات، بينما يجلب اسم السيد نه وشيروان أسئلة التنظيم، والدقة، والمراجعة، أرى الوفاء لتلك التجارب في قراءتها، والاستفادة منها، والحفاظ على قدرتنا على نقد أنفسنا.
لقد بقي كل واحد منهم في ذاكرتي بشيء مميز، كانت رسالة الخال شهاب (عش قليلا، وعش كبيرا)ولطافة السيدآرام للتنظيم والتي تمثلت في رسائله المكتوبة على هيئة الشوكولاتة والسيد علي بثقته العالية بنفسه، والسيد نه وشيروان بحزمه وإتقانه للعمل، ومام جلال بمعنوياته العالية، وكل هؤلاء لم يكونوا بالنسبة لي مجرد خصال لعدة قادة، بل كانوا دروسا في الحياة والنضال تعيش معي حتى اليوم.
أما اليوم، فقد تغيرت الظروف، ولم تعد أساليب الاتصال، وتطلعات الناس، ومهام العمل السياسي كما كانت، لقد ظهر جيل جديد على الساحة لديه أسئلته الخاصة ويريد مشاركة حقيقية.،لا يمكننا إيجاد أجوبة لكل أسئلة اليوم عن الماضي، لكن يمكننا مواجهة الأسئلة الجديدة بالأمانة وشعور المسؤولية لتلك الأيام.
في السابق، كان الحفاظ على السرية شرطا لحماية الحياة واستمرارية النضال، أما اليوم، وفي العمل العام، تُعد الشفافية والإجابة أساسا لثقة الناس، ولا ينبغي للطابع المغلق لعصر السرية أن يشكل عائقا أمام النقد والمشاركة، فللناس الحق في معرفة كيف تُتخذ القرارات، وكيف تُوزع المناصب، وإلى أي مدى جُوبِهَت الوعود بالتنفيذ، وما هي أسباب تأخير تنفيذها؟!
العمل التنظيمي اليوم لا يُقاس بقائمة الأسماء وأرقام الاجتماعات، بل يُقاس بمدى اقترابنا من الناس، ومدى استماعنا لهم، وإلى أي مدى نوصل أصواتهم وآلامهم إلى مواقع صنع القرار، التنظيم الذي يطرق أبواب الناس فقط في موسم الانتخابات لا يمكنه توقع ثقة مستدامة، فالعلاقة الحقيقية تُبنى في الأيام العادية وتُختبر في أوقات الأزمات والحاجة.
أقول لرفاقنا الشباب: اقرأوا، اسألوا، ولا تخافوا من ارتكاب الأخطاء، ولكن لا تخفوا أخطاءكم، استفيدوا من تجربة أجيال ما قبلكم واحفظوا حقكم في التفكير بأنفسكم، ففي السياسة، السمعة الطيبة تُبنى بهدوء، بالصدق، بالعمل، وباحترام الناس.
وعلى جيلنا القديم أن يفسح المجال للشباب، ويوكل إليهم المسؤوليات، ويساعدهم عند الخطأ، التجربة تكون مفيدة عندما تضيء الطريق، لا عندما تصبح مبررا لإغلاق الأبواب،ماضينا، مع ما يحمله من فخر، يضم أيضا أخطاء وفرصا ضائعة، رواية كل ذلك بصدق تعتبر درسا أفضل للجيل القادم.
أنا أعلق أملي على ذلك الشاب الذي يسأل، وذاك الرفيق الذي ينتقد وفي نفس الوقت يمد يده للعمل، وذاك المسؤول الذي يرى خطأه ويسعى لتصحيحه، كل هذه دلائل على حيوية العمل السياسي داخل صفوف الاتحاد الوطني الكوردستاني.
في السابق، غالبا ما كنا نخفي أسماءنا لكي يستمر عملنا،اليوم أسماؤنا مكشوفة، فلنحرص على أن يكون عملنا جديرا بالثقة التي يمنحها لنا الناس، وأجمل وفاء لرفاق الأمس هو أن نُرشد الجيل الذي يلينا نحو آفاق أمل أكبر وطريق أكثر وضوحا.