×

  رؤى حول العراق

  كيف ومتى يقود العراق المنطقة؟



*أ.د. عامر حسن فياض

 

في عالم مضطرب وفي محيط إقليمي ودولي تتنمر فيه قوى الرأسمالية المتوحشة يراد فيه لشعوب العالم أن تعيش محكومة بنظام الفوضى والاقتتال الداخلي أو بنظام التفاهة، الذي لا يرتجى منه غير القبول بالتبعية والعيش في العدمية الوطنية واللا اخلاقية السياسية، وأن فهم العالم بهذه المواصفات يسوقنا إلى التفكير بكيفيات تجعل للعراق مكانة تليق به ويستحقها بجدارة في محيطه الإقليمي والدولي فكيف السبيل إلى هذه المكانة؟ وما هي متطلبات أن يصبح للعراق مكانة مقبولة وفاعلة في محيطه الإقليمي والدولي؟.

تفيد أول المتطلبات ضرورة فهم أن عافية دواخل العراق تجعل منه موضع ثقة عند مواطنيه داخليا وعند بلدان محيطه الإقليمي والدولي خارجيا. وهذه العافية ستأتي عندما يتم الترابط بين سيادة الداخل والخارج، أي عند انتزاع السيادة باحتكار الدولة للقوة الشرعية داخليا وتكامل السيادة خارجيا عندها تكون أطروحة (العراق وسيطا ومقبولا وفاعلا) عملا من الأعمال السيادية .

وفي السياق نفسه لا يمكن تلمس توجه سياسي داخلي وخارجي رشيد لأي بلد من بلدان الارض دون أن يكون رحمه معافى، وهذا التعافي سيتحقق عندما يصبح العراق دولة وليس كيانا أو كيانات سياسية في محيطه الوطني أولا ثم في محيطه الإقليمي والدولي ثانيا. بمعنى أدق أن عافية الداخل تتحقق عندما تكون شرعية السلطة قائمة على ركيزتين هما ركيزة الانتخابات المتواصلة وركيزة المنجزات المستدامة.

وعندما يتخلص العراق من شخصنة المؤسسات وتنصيب الاشخاص وصولا إلى مأسسة المناصب وتنصيب المؤسسات، وعندما يتخلص ساسة العراق من أوهام (خطر الدستور) وصولا إلى حقيقة (أن الدستور في خطر إن لم يحترم)، وعندما يغادرون سيئة الاستقواء بالأجنبي وصولا إلى سياسة الاستقواء ببعضهم البعض الحميدة .

اما متطلبات وصول العراق إلى مكانة على المستوى الإقليمي والدولي فهي كثيرة وفي مقدمتها الحرص على أن يكون الخطاب السياسي الخارجي خطابا موحدا بصفته خطاب الدولة ومؤسساتها المختصة بالشأن الخارجي وليس خطابا مشتتا مبعثرا. عندها فان وحدة الخطاب السياسي الخارجي سيخرج الأطروحة (العراق وسيطا مقبولا وفاعلا) من دائرة الاستحقاقات المكوناتية الجهوية الضيقة القابلة للخلاف والاختلاف وادخالها في دائرة الاستحقاقات الوطنية الثابتة غير القابلة للخلاف والاختلاف.

كما أن توحد الخطاب السياسي الخارجي للعراق يتطلب الاكتفاء بناطق رسمي واحد للسياسة الخارجية، ويتطلب عملا منسجما بين وزارة الخارجية ولجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب على وفق معادلة (كسب الاصدقاء وتحييد الخصوم على المستويين الاقليمي والدولي) من اجل (العراق أولا) على أن يعود الآخرون (وزراء ونواب ومحافظون ورؤساء كتل وغيرهم من المسؤولين) للانشغال بأعمالهم والتفرغ لتأدية مهامهم وواجباتهم المنصوص عليها في الدستور والقوانين والأنظمة والتعليمات .

وفي سياق هذا التوجه فإن النهج المطلوب في السياسة الخارجية ينبغي أن يتمثل بالنهج الوظيفي، الأمر الذي يقتضي تجنب اعتماد النهج الايديولوجي والعقائدي في ميدان السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، وعلى وفق هذا النهج يقتضي أن ينظر العراق إلى الآخر الإقليمي والدولي على وفق مصالحه وليس وفق مصالح خصم الآخر.  بمعنى مثلا ألا ينظر إلى إيران بالعين الأمريكية ولا ينظر لأمريكا بالعين الإيرانية، كما أن النظر العراقي هكذا للآخر الإقليمي والدولي، سيؤدي إلى تعزيز المسار العراقي في الحرص على أن يكون العراق جغرافية حوار وتعاون وليس جغرافية صراعات وتصفية حسابات بين الخصوم الإقليميين والدوليين على أرضه .

ويرافق ما تقدم فإن هذا النهج يجعل العراق ينأى بنفسه عن كل ما يتعارض مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي وعن كل ما يتعارض مع الثوابت الوطنية، متجنبا الانخراط في الصراعات الاقليمية والدولية من جهة ومندفعا للحضور وعدم القطيعة مع الآخر في كل مجالات التعاون من جهة أخرى .إن كل ما تقدم من متطلبات تخص الجواب عن كيف يقود العراق المنطقة؟ اما متى يقود العراق المنطقة؟ فهذا أمر نتلمس معالمه عندما تنجز هذه الكيفيات على يد (اسطوات سياسة) يدركون أن تقزيم عيوبهم يمنع تغول عيوب الآخر المحلي والإقليمي والدولي في بلادنا .


22/10/2026