*كريستوفر فيليبس
روسيا وترمب والشعبوية تحاصرها
*مجلة "المجلة " اللندنية
بلغ "التفاؤل الأوروبي" ذروته في تسعينات القرن العشرين، إذ ساد بين مؤيدي الاتحاد الأوروبي اعتقاد راسخ بأن الدول الأوروبية ماضية نحو مزيد من التكامل والنجاح. بدأ العقد بإعادة توحيد ألمانيا، وانتهى بإطلاق منطقة اليورو، وشهد في منتصفه انتقال دول شيوعية سابقة عديدة في أوروبا الشرقية إلى ديمقراطيات السوق وتقدمها بطلبات للانضمام إلى التكتل.
وفي الأثناء، أصبحت المجموعة الأوروبية، المعروفة سابقا باسم المجموعة الاقتصادية الأوروبية، إحدى الركائز الأساسية للاتحاد الأوروبي الجديد الذي أنشأته معاهدة ماستريخت.
وعلى الرغم من بعض الانتكاسات، وفي مقدمتها عجز بروكسل عن منع الصراعات التي رافقت تفكك يوغوسلافيا، دخل كثيرون الألفية الجديدة وهم يأملون أن تتمكن أوروبا موحدة جديدة من تجاوز انقسامات الحربين العالميتين والحرب الباردة، وأن تحتل موقعها كقوة عالمية رائدة.
وبعد ربع قرن، تبدو الصورة اليوم أقل تفاؤلا بكثير. فقد نجا الاتحاد من اضطرابات منطقة اليورو وأزمة الديون اليونانية في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ثم من خروج المملكة المتحدة بعد ذلك بسنوات قليلة، لكن الآمال في أن يتحول الاتحاد الأوروبي إلى مركز قوة عالمي يضاهي الولايات المتحدة أو الصين تلاشت إلى حد كبير. وبدلا من ذلك، تواجه بروكسل ضغوطا من كل اتجاه: بيئة جيوسياسية تزداد سوءا، وركود اقتصادي مستمر، وتحديات داخلية يغذيها صعود الشعبوية.
تصاعد التهديدات الجيوسياسية
يبقى أكثر التهديدات إلحاحا، كما هو الحال منذ عام 2022، روسيا. وكما قال رئيس فنلندا ألكسندر ستاب العام الماضي، تمتعت أوروبا بشيء من "العطلة من التاريخ" عقب انتهاء الحرب الباردة، إذ نجت القارة إلى حد كبير من صراعات كبرى بين حملة كوسوفو عام 1999 وضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014.
أتاح ذلك للحكومات خفض الإنفاق الدفاعي والاستفادة، نظريا، من "عوائد السلام". لكن غزو فلاديمير بوتين لأوكرانيا قبل أربع سنوات بدد هذا الوهم. ومنذ عام 2022، حشد الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء 225 مليار يورو من الدعم المالي والعسكري والإنساني لكييف، فيما يخشى قادة دول تقع أبعد إلى الغرب أن يشجع النصر في أوكرانيا بوتين على توجيه ضربات إلى عمق أكبر داخل أوروبا.
ومع تكثيف روسيا عملياتها الخفية ضد أهداف أوروبية، بات احتواء موسكو هدفا وجوديا. وقفز الإنفاق الدفاعي إلى أكثر من 2.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط، ووصل إلى ما بين 3.5 و5 في المئة في دول خط المواجهة مثل بولندا ودول البلطيق.
كما استحدث الاتحاد الأوروبي أدوات جديدة، مثل برنامج "العمل الأمني من أجل أوروبا" (SAFE)، الذي يتيح قروضا تصل قيمتها إلى 150 مليار يورو لدعم المشتريات الدفاعية المشتركة. لكن الضغوط تواصل تصاعدها. ففي سبتمبر/أيلول، نسبت ألمانيا رسميا محاولة هجوم بطائرة مسيرة على مطار "لايبزيغ/هاله" إلى روسيا، فيما تستمر الحرب في أوكرانيا وتشن موسكو هجمات أشد على البنى التحتية الرئيسة.
وفاقم العدوان الروسي المتزايد قلقا جيوسياسيا آخر آخذ في التصاعد، هو تراجع موثوقية الولايات المتحدة في عهد دونالد ترمب. حاول القادة الأوروبيون، بمن فيهم قادة المملكة المتحدة، في البداية استرضاء ترمب رغم الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها وخطابه العدائي. وحاولوا مرارا إقناعه بمواصلة دعم كييف وضمان عدم تهميش أوكرانيا في المفاوضات. لكن تصدعات أخطر ظهرت منذ ذلك الحين. فقد انتقدت استراتيجية ترمب للأمن القومي لعام 2025 الحكومات الأوروبية، وأبدت تفاؤلا حيال صعود خصوم تلك الحكومات من الشعبويين. وتعمقت الخلافات مع محاولات الرئيس المتكررة "الاستحواذ" على غرينلاند رغم اعتراضات الدنمارك.
ثم جاءت أخيرا الحرب على إيران، التي عارضتها الدول الأوروبية على نطاق واسع، ما أثار ردا غاضبا من البيت الأبيض. وحتى قبل انتخاب ترمب، كان القادة الأوروبيون يدركون أن الولايات المتحدة باتت أقل التزاما بالدفاع عن أوروبا، وأن عليهم الاستعداد للتصدي لروسيا بمفردهم إذا اقتضى الأمر. لكن ترمب أثار احتمال أن تتخذ الولايات المتحدة موقفا عدائيا صريحا، فيما يواصل توجيه انتقادات حادة إلى أوروبا من الضفة الأخرى للمحيط الأطلسي.
الركود الاقتصادي
يضيف الركود الاقتصادي المستمر في أنحاء القارة طبقة أخرى من الصعوبات. فمنطقة اليورو تعاني نموا فاترا منذ جائحة عام 2020، وقد تفاقم هذا الاتجاه بفعل أزمات الطاقة التي نجمت أولا عن حرب أوكرانيا عام 2022، ثم عن أزمتي مضيق هرمز وباب المندب. وبينما حققت الولايات المتحدة، التي تتمتع بإمدادات طاقة خاصة بها، نموا بلغ متوسطه 3.4 في المئة خلال السنوات الخمس الماضية، نما الاتحاد الأوروبي بنحو 2.6 في المئة خلال الفترة نفسها.
واتسعت كذلك فجوة الإنتاجية، إذ لا تزال إنتاجية العمل في الاتحاد الأوروبي أدنى بكثير من مستوياتها في الولايات المتحدة. بل إن أوضاع الاقتصادات الأوروبية الكبرى أسوأ، فيما يتركز جانب كبير من النتائج الإيجابية في حفنة من الدول، مثل بولندا وإسبانيا. فعلى سبيل المثال، يتوقع أن ينمو الاقتصاد الفرنسي بنسبة 0.8 في المئة فقط بين عامي 2025 و2026، بينما لم يزد نمو الاقتصاد الألماني على 0.2 في المئة العام الماضي، ويتوقع أن يبلغ 0.6 في المئة في عام 2026. وتزيد مستويات الدين المرتفعة من حدة هذه الهشاشة، إذ يبلغ الدين العام الفرنسي حاليا نحو 119 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعل الحكومات الأوروبية أكثر تعرضا لارتفاع تكاليف الاقتراض عالميا.
وتواجه فرنسا ضغوطا خاصة مع ارتفاع عوائد السندات وسط مخاوف بشأن وضعها المالي والآثار التضخمية الأوسع لحرب ترمب. ومع أن البنك المركزي الأوروبي في موقع يسمح له بالتدخل إذا انتقلت العدوى، فقد تضيف الأزمة المتفاقمة تحديا اقتصاديا جديدا.
وتتقاطع هذه المشكلات الاقتصادية مع الاضطرابات الجيوسياسية. فقد هددت حرب ترمب على إيران، والاضطرابات حول مضيق هرمز، واستمرار القيود المفروضة على الطاقة الروسية، واقتراح الولايات المتحدة حظر تصدير الديزل الامريكي في سبتمبر/أيلول، بزيادة الضغوط على أوروبا، رغم موافقة مجموعة السبع على الإفراج عن 100 مليون برميل من الوقود من احتياطيات الطوارئ.
وإدراكا منه لهشاشة وضعه الاقتصادي، اتخذ الاتحاد الأوروبي موقفا أكثر ترددا تجاه الصين مقارنة بالولايات المتحدة. ففي حين تبنى ترمب، وبايدن قبله، نهجا متشددا عموما تجاه بكين، كان القادة الأوروبيون أكثر حذرا، وكثيرا ما تحوطوا في مواقفهم حين ساءت العلاقات مع ترمب.
من جهة أخرى، دعت ألمانيا وفرنسا الاتحاد الأوروبي مؤخرا إلى وضع تدابير طارئة لمنع الشركاء التجاريين من الإخلال بالسوق لمصلحتهم، وسط مخاوف من أن اتساع العجز التجاري بين الاتحاد الأوروبي والصين والاعتماد على سلاسل التوريد الصينية باتا يلحقان أضرارا اقتصادية واستراتيجية. وفي الوقت نفسه، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه عالقا وسط التنافس المتصاعد بين واشنطن وبكين في مجال الذكاء الاصطناعي.
وقد سعت بعض القوى الأوروبية إلى تطوير منظوماتها الخاصة للذكاء الاصطناعي سعيا إلى قدر من "السيادة الرقمية"، لكن القارة تفتقر إلى رأس المال والإرادة السياسية الموحدة اللازمين لمنافسة أي من القوتين المهيمنتين في هذا المجال منافسة جدية.
وفي أفضل الأحوال، قد يجعل ذلك الدول والاقتصادات الأوروبية معتمدة على الذكاء الاصطناعي الصيني أو الامريكي أو كليهما، وما قد يصاحب ذلك من عجز تجاري كبير. أما في أسوأ الأحوال، إذا اشتدت المنافسة، فقد تجد الدول والشركات الأوروبية نفسها مضطرة بصورة متزايدة إلى الاصطفاف مع أحد الجانبين.
الشعبوية والاحتجاجات
ولا تقتصر التحديات الداخلية على صعود الأحزاب الشعبوية. فالاحتجاجات التي شهدتها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألبانيا تبرز وجها آخر للتوترات الاجتماعية والسياسية في القارة. وتختلف دوافع التحركات بين الاعتراض على الأوضاع المعيشية والسياسات الحكومية، والمطالبة بتحسين الخدمات ومكافحة الفساد، والغضب من أزمة السكن وارتفاع تكاليف الحياة. ومع أن هذه الاحتجاجات لا تشكل حركة واحدة، ولا يمكن اختزالها جميعا في صعود اليمين الشعبوي، فإنها تعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المواطنين والمؤسسات السياسية، ولا سيما حين يشعر الشباب بأن الفرص الاقتصادية تتضاءل.
وقد تتيح هذه الأجواء للأحزاب الشعبوية استثمار السخط الشعبي، بما يزيد من صعوبة بناء توافق أوروبي حول الإصلاحات الاقتصادية والتحديات الأمنية.
وفي ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية والركود الاقتصادي، يواصل القادة الأوروبيون مواجهة خطر الشعبوية. وليس هذا جديدا، فقد ظل الشعبويون اليمينيون يتربصون بالاتحاد الأوروبي طوال عقود. لكن "الاتحاد"، من بعض النواحي، أقل عرضة لخطرهم اليوم مما كان عليه في السابق. فقد وصل عدد من الشعبويين إلى السلطة، ثم تبين أنهم أقل عداء للاتحاد الأوروبي بعد تولي الحكم. فرئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، على سبيل المثال، خففت موقفها تجاه بروكسل منذ توليها السلطة عام 2022.
وفي هولندا، فاز "حزب من أجل الحرية" بزعامة خيرت فيلدرز في انتخابات عام 2023 ببرنامج تضمن إجراء استفتاء على عضوية الاتحاد الأوروبي، لكنه تخلى عن الفكرة خلال مفاوضات تشكيل الائتلاف. ثم انهار ائتلافه في عام 2025 بعدما انسحب فيلدرز من الحكومة.
وفي بولندا، خسر "حزب القانون والعدالة" (PiS) الشعبوي السلطة عام 2023، فيما هزم رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، المعروف بمواقفه المتشككة في الاتحاد الأوروبي، عام 2026 بعد 16 عاما في المنصب.
وظل نفوذ هؤلاء الشعبويين إلى حد كبير محصورا في دول أعضاء تعد هامشية نسبيا، لكن فرنسا وألمانيا، وهما قلب الاتحاد الأوروبي النابض، تواجهان الآن احتمال اتساع نفوذ أحزاب اليمين المتطرف. ففي فرنسا، تتصدر مارين لوبان حاليا استطلاعات الرأي للانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، بينما فاز "حزب البديل من أجل ألمانيا" (AFD) مؤخرا في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت، ويتصدر معظم استطلاعات الرأي الوطنية. وحتى إذا حقق أي منهما انتصارا، فقد لا يرقى ذلك إلى مستوى التهديد الوجودي للاتحاد الأوروبي الذي كان يمكن أن يمثله في السابق.
فلم تعد لوبان تدعو إلى خروج فرنسا من الاتحاد، فيما أشارت ورقة استراتيجية حديثة لـ"حزب البديل من أجل ألمانيا" إلى أن الحزب سيسعى أولا إلى تحويل الاتحاد الأوروبي إلى تحالف أكثر مرونة بين دول ذات سيادة، ولن يلجأ إلى استفتاء بشأن عضوية ألمانيا إلا إذا فشلت إعادة التفاوض على المعاهدة. لكن الحزبين يتبنيان، على أقل تقدير، رؤية أكثر قومية لأوروبا، ويرغبان في إعادة السيادة إلى العواصم الوطنية، بما يضعف قدرة الاتحاد الأوروبي على العمل بصورة جماعية.
ومن شأن ذلك أن يحد من قدرة أوروبا على تجميع مواردها وتطوير حلول مشتركة للتحديات الجيوسياسية والاقتصادية المذكورة آنفا. وبالنظر إلى أن ترمب يبدو أنه يفضل أن تكون أوروبا أضعف، فربما لا يكون مستغربا أن تحتفي وثيقة الأمن القومي الصادرة عنه بالشعبويين اليمينيين.
هل تنتظر أوروبا مياها أكثر اضطرابا؟
قد يرى المتفائلون بأوروبا أنها اعتادت مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وأنها، منذ تأسيس المجموعة الاقتصادية الأوروبية عام 1957، وجدت سبلا للتغلب عليها. وهذه حجة وجيهة، إذ قد تتراجع بالفعل التهديدات المختلفة التي تواجه القارة حاليا قبل بلوغ نقطة حرجة. لكن من الواضح أيضا أن التكتل ما زال بعيدا كل البعد عن حلم التسعينات بأن يصبح لاعبا جيوسياسيا رئيسا. فالأزمات المتعددة في الداخل والخارج تكشف تكتلا كثيرا ما يرد على الأحداث بدلا من المبادرة إلى صنعها، ويحاول بقلق قيادة سفينته عبر مياه مضطربة بدلا من تحديد الأجندة بالطريقة التي يبدو أن دونالد ترمب وشي جينبينغ يفعلانها، سواء كانت النتائج جيدة أم سيئة. لقد حلم مثاليو حقبة ما بعد الحرب الباردة باتحاد أوروبي يتوسع ويزدهر، لا بتكتل بطيء الحركة ومحاصر بالأزمات كما نراه اليوم.