×

  ملف الكرد الفيليين

  إنّ وعدَ الحر دَين



القاضي زهير كاظم عبود 

صحيفة (الاتحاد) البغدادية  19/3/2011 :

ليس اكثر من شريحة الكرد الفيليين من شبعت من الوعود والكلام المعسول، وليس اكثر منهم من باتوا يحلمون باستعادة حقوقهم دون ان يلمسوا ولو جزءا يسيرا من تلك الحقوق، وليس اكثر من الكرد الفيليين من اوغل صدام في الحاق الاذى بهم جسديا وماديا ومعنويا،

 وليس ايضا اكثر من الكرد الفيليين من اتفقت على مظلوميته جميع الاحزاب والشخصيات الوطنية والسياسية والتجمعات دون ان يجد موقفا او قرارا يجسد هذا الموقف الوطني والاجماع العراقي يدفع باتجاه ضرورة تشريع القوانين التي تعيد لهم الحقوق التي سلبت منهم من قبل اجهزة السلطة البائدة او التي يستحقونها في الزمن العراقي الجديد شرعا او قانونا، وليس اكثر منهم من دخل القنوط والياس الى نفوسهم من انهم لن يلتفت المشرع لهم وان لن يستعيدوا حقوقهم التي سلبتها منهم السلطة البائدة.

وحيث ان وعد الحر دين كما يقال، فقد بادر السيد رئيس الوزراء على اثر قرار الحكم الصادر من المحكمة الجنائية العراقية العليا باعتبار الجرائم التي ارتكبها النظام البائد بحق الكرد الفيليين من الجرائم ضد الانسانية، بادر السيد رئيس الوزراء الى اصدار بيان يتضمن الاقرار بمظلومية الفيليين وحقوقهم المشروعة ياتي قرار المحكمة الجنائية العراقية العليا كاشفا لما لحق بالكرد الفيليين من عمليات الابادة الجماعية والتهجير وتجريدهم من مواطنتهم والاستيلاء على ممتلكاتهم واخضاع شبابهم الى التجارب الكيمياوية ونفي اعداد كبيرة منهم الى بادية صحراء السلمان وغيرها من الجرائم التي كانت تستهدف ابادتهم والقضاء عليهم باعتبارها جريمة من جرائم الابادة الجماعية التي نص عليها قانون المحكمة رقم 10 لسنة 2005، ومعززا لما اقره مجلس النواب العراقي واكده مجلس الرئاسة في حينه بقراره المرقم (26) لسنة 2008، والمنشور بجريدة الوقائع العراقية بالعدد (4087) بتاريخ 22/9/2008، وازاء هذا القرار الكاشف لجزء من محنة الفيليين اصدر مجلس الوزراء العراقي قراره المرقم (426) لسنة 2010 بتاريخ 8/12/2010 بان يتعهد مجلس الوزراء بازالة (كافة) الاثار السيئة التي نتجت عن القرارات الجائرة التي اصدرها النظام البائد بحق ابناء الشعب العراقي من الكرد الفيليين (كاسقاط الجنسية العراقية وسحبها ومصادرة الاموال المنقولة وغير المنقولة والحقوق المغتصبة الاخرى).

 ان التعهد في البيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء هو وعد بتحقيق الانصاف واستعادة الحقوق لمن تم نسيانهم في خضم انشغالات الحكومة ومجلس النواب، الا ان ثلاثة اشهر مضت على هذا التعهد وهو تعني فترة اخرى من الانتظار والترقب لم يزل ابناء الكرد الفيليين يتساءلون عن الفترة الزمنية التي تحتاجها الحكومة لتجسد لهم جزء من هذا التعهد، والفترة التي يحتاجها مجلس النواب ليصدر تشريعاته بخصوص قضيتهم التي صارت في مؤخرة الاهتمامات بعد ان كانت تاخذ صدارة قرارات مؤتمرات قوى المعارضة العراقية قبل سقوط الطاغية.

نثمن مبادرة السيد رئيس الجمهورية جلال الطالباني بتاسيس مكتب استشاري يخص الكرد الفيليين برئاسة السفير عادل مراد، وهي بادرة والتفاتة تنم عن حرص واهتمام، لكن الفيليين بحاجة الى قرارات وافعال وقوانين، بحاجة الى الملموس بعد ان اشبعتهم الوعود وغطسوا في الكلام المعسول، وماعادوا يثقون بهذا فقد فقدوا الامل وجعلهم الزمن في ادراج النسيان، وهم الذين تقدموا الصفوف وبادروا لتقديم القرابين والتضحيات واظهروا من المواقف الوطنية الشجاعة ما يفخر بها العراق.

التعهد الذي قطعته الحكومة على نفسها يمثل التزاما اخلاقيا وادبيا لم نزل نثق في ترجمته، ولم تزل الفرصة سانحة لترجمته الى الواقع، ومن يتمعن في قضية الكرد الفيليين سيجد انها متشعبة وبحاجة لقرارات واحكام وقوانين ترمم حالهم وتعيد لهم ثقتهم بالحكومة وتقر لهم بصريح الكلام وباعلى الصوت من انهم من يستحق التكريم والاجلال، وبانهم من يستحق ان نلم شملهم ونعيد لهم اهلهم المشردين حتى اليوم في مخيمات اللجوء في ايران، وان نكرم عوائل شهداؤهم، وان نبحث معهم عن جثث شبابهم التي غيبها النظام البعثي البائد. هذا التعهد لم يزل بعد ثلاثة اشهر بحاجة الى تفعيل ومتابعة، وهم في ترقب شديد بعد زمن ليس بالقصير انشغلت السلطة والحكام والسياسيين عنهم لشتى الاسباب.  واذ يحتفي الفيليين كل عام بيوم الشهيد، فانهم انما يستذكرون تلك الكوكبة التي لم يتعرف احد على مصيرها، ولم تبذل السلطات التحقيقية ولا المسؤولة الجهد لتتعرف على اماكن دفن الجثث فان قلوبهم وضمائرهم بقيت معلقة بالعراق اينما رحلوا وكيفما حلوا.

 ان لهذا التعهد ابعاده الانسانية والقانونية التي لم نزل نطمع ان نلمسها مترجمة وملموسة في اقرب فرصة حتى يمكن ان نزيل هاجس الشك والقنوط الذي غمر ارواح ابناء الكرد الفيليين، وجعلهم يدورون في اروقة المحاكم واللجان ودوائر الدولة الرسمية يبحثون عن حقوقهم المسلوبة دون ان يمسكوا بخيط يوصلهم الى نتائج بالطرق السهلة او اليسيرة، ومن سلبت السلطة البائدة حقوقه من الصعب عليه ان يستعيدها بطرقه الشخصية او الخاصة، ومن المحزن ان لاتقوم السلطة الجديدة باصدار القرارات والقوانين التي تزيل الظلم والحيف عنه، وتمهد له وسائل وسبل استعادة تلك الحقوق.

لم نزل ومعنا كل الحريصين على حقوق المظلومين والمهمشين من ابناء العراق يحدونا الامل ان نطالع تلك المشاريع القانونية المستعجلة التي تحيلها اللجان القانونية والمكتب الاستشاري لرئيس الجمهورية الخاص بالكرد الفيليين لان تترجم الحكومة الدين الذي قطعته على نفسها بحق الكرد الفيليين من ابناء العراق، وهم احق الشرائح العراقية ومعهم كل الذين تم تسفيرهم من ابناء العراق بزعم التبعية الايرانية، وجميعهم من ابناء العراق البررة، ومن الذين يستحق ان تلتفت اليهم الحكومة ومجلس النواب لمعالجة وضعهم الانساني.

وتستطيع الحكومة ان تنجز جزءا كبيرا من التعهد الذي قطعته على نفسها قبل انقضاء فترة المائة يوم التي قررها السيد رئيس الوزراء كفترة لقياس جدية ونجاح انجاز الوزير لمهامه الوزارية المناطة به، وقدرته على تحقيق انجاز البرامج والمشاريع الخاصة بوزارته امام ممثلي الشعب، باعتبارها جزء من منظومة الحكومة، وذلك بتشكيل لجان قانونية مختصة تاخذ على عاتقها تفعيل هذا التعهد بشكل فاعل و سريع، واحالة تلك المقترحات والقوانين الى مجلس النواب لانصاف الفيليين والمسفرين ورفع الظلم عن كاهلهم، واقتران تلك المشاريع بالقرارات والانظمة والتعليمات التي تصدرها الحكومة لتسهيل استعادة تلك الحقوق وازالة جميع تلك المخلفات التي تراكمت بفعل النظام البائد.

لم يزل الكرد الفيليين ومعهم ابناء العراق من المسفرين من يعتقد بان الزمن يمضي سريعا دون علاج لقضاياهم، وهم يعتقدون ان طول الزمن يقتل الامل ويجعل قضاياهم في طي النسيان، وان انصافهم واعادة حقوقهم المسلوبة تطبيقا لنصوص الدستور العراقي الذي ينص على حق العراقي في الحياة والامن والحرية، وانه لايجوز الحرمان من هذه الحقوق او تقييدها الا بناء على قانون او بناء على قرار صادر من جهة قضائية مختصة.

وان الجنسية العراقية حق لكل مواطن عراقي وهي اساس مواطنته، وانه يحظر اسقاط الجنسية العراقية عن العراقي لاي سبب من الاسباب، ويحق لمن اسقطت عنه طلب استعادتها بقانون ينظم ذلك.

وان الملكية الخاصة مصونة، ولايجوز نزع الملكية الا لاغراض المنفعة العامة مقابل تعويض عادل وينظم ذلك بقانون. ان استنطاق عذابات القمع القومي لابناء الكرد الفيليين والمسفرين من ابناء العراق بحاجة لترجمة فعلية، مثلما يكون لتعهد رئيس الوزراء التذكير بان وعد الحر دين، ولم نزل بالانتظار وان غدا لناظره قريب


19/10/2026