زهير كاظم عبود
اعطى مام جلال كل صحته ووقته للعراق، وكان بحق القاسم المشترك والملاذ الذي يلوذ به المتخاصمين والمختلفين من السياسيين الذين يتحكمون بالعملية السياسية في العراق اليوم
الانصات المركزي 14/9/2013 :
لم يكن مام جلال بحاجة لأن يصبح رئيسا لجمهورية العراق حتى يعرفه العراقيون ، ولم يكن اصلا بحاجة لهذا المنصب الرفيع حتى يمكن ان يؤدي واجبه ومهماته كمناضل ورجل مبادئ حقيقي ، إلا انه التشريف والاتفاق والإجماع الوطني ، الذي اختلف في تفاصيل كل الأشياء عدا أن يكون جلال الطالباني رئيسا لجمهورية العراق ، ذلك انه كان القاسم المشترك ، وحقا كان جلال الطالباني الجامع لكل المختلفين ، والمؤدي دور الناصح لكل المتخاصمين ، بما عرف عنه من تواضع وحكمه ودراية بالقانون والدستور ، بالإضافة الى خبرته في العمل السياسي والمطالبة بالحقوق ، وبالإضافة الى استقامته وعدالته وإخلاصه لقضية شعبه التي كرس حياته منذ بواكير شبابه لها ، وتميزه بالبساطة ومحبته للابتسامة والفرح .
وحين تم انتخاب جلال طالباني رئيسا للجمهورية حقق بما لايختلف عليه احد رمز وحدة العراق ، والحريص على الالتزام بالدستور ، والساهر على رعاية الناس والمحافظ على وحدتها بغض النظر عن قومياتها وأديانها ومذاهبها وأجناسها ، والحريص ايضا على سيادة العراق وسلامة اراضية .
كان رئيسا للعراقيين العرب منهم او التركمان او الكلدان والآشوريين والأرمن قبل ان يكون رئيسا للكورد ، فحق علينا ان نقول انه كان بحق رئيسا للعراق ، وقد أدى دوره ومهماته بجداره ، وخبرناه في أكثر من حدث حياديته ونزوعه للوسطية والعمل على لم الشمل وجمع الصف والعبور بالعراق الى ضفاف الأمان التي كان يحلم بها .
ووفقا لما ورد في الدستور العراقي من مهام التزم بأدائها الرئيس مام جلال ، بالرغم من اشكالية إصدار مراسيم الإعدام التي تصدر بحق بعض من يتم تجريمهم قضائيا وتتم المصادقة على تلك الأحكام لتنفيذها بمرسوم جمهوري ، لتعارض تلك الأحكام بالإعدام مع التزامات اساسية ومبدئية كان قد التزم بها قبل ان يتم تكليفه بمنصب رئاسة الجمهورية .
اعطى مام جلال طالباني كل صحته ووقته للعراق ، وكان بحق القاسم المشترك والملاذ الذي يلوذ به المتخاصمين والمختلفين من السياسيين الذين يتحكمون بالعملية السياسية في العراق اليوم ، وانشغل بالقضايا التي تهم الشارع العراقي ، وخلال اداءه عمله الرسمي ومن جراءه داهمته الجلطة الدماغية التي ماكان لها ان تقع لولا تلك الأحداث والمواقف التي تفتت القلوب والضمائر ، مما تطلب الأمر معالجته ورعايته .
لم يغب مام جلال من مركزه الرمزي برغبته او انه قدم استقالته ، ولم يغب مام جلال لسفرة في ربوع كوردستان او في المدن التي يحج اليها الوزراء والنواب وسراق العراق ، ومن الغريب ان يتحدث البعض عن خلو منصب الرئيس والحاجة الى انتخاب رئيس جديد ، مع ان النص الدستوري في المواد ( من 74 - 75 ) تحدث عن تقديم الرئيس للاستقالة تحريريا ليحل محله نائبي الرئيس عند غيابه خلال مدة لاتتجاوز 30 يوم ، وعند عدم وجود نائب للرئيس يحل رئيس مجلس النواب مكانه ، اما الفقرة ج من المادة 72 من الدستور فتحدثت عن خلو منصب رئيس الجمهورية ( لأي سبب من الأسباب ) وهذا الخلو يفهم منه الغياب وفق رغبة الرئيس او احجامه عن اداء العمل وليس اضطراره الدخول الى المستشفى للعلاج ، ووفق ما يقرره قانون الخدمة المدنية والذي ينطبق على جميع الوظائف بما فيها وظيفة الرئيس ، وبما يقرره من حق الموظف التمتع بإجازة مرضية واحتساب مدة دخوله المستشفى للعلاج خدمة كاملة ، ونجد انه بعيدا عن الانصاف والضمير التفكير بإزاحة الرئيس من منصبه والتزاحم على هذا المنصب بزعم غياب الرئيس دون عذر او سبب ، والجميع يعلم ان مام جلال تحت الرعاية الصحية لم يصدر عن اللجنة الطبية أو الأطباء المشرفين تقريرا يتضمن عجزه او عدم قدرته على اداء واجباته ، وعلاجه ورعايته الصحية مستمرة ، ومع ان الدستور لم يتحدث عن الأجازة الصحية المرضية وعن الظروف التي ترغم الرئيس للتمتع بإجازة مرضية ريثما تقرر اللجان الطبية الفنية اكتمال فحوصاتها وتقرير ما اذا كان يمكن له العودة الى مهمته او انه لايمكن له العودة ، فالأمر متروك للجهة الطبية الفنية .
ومن جهة أخرى نسأل هل هناك نظرة وجدانية او مروءة أو حس وطني يدفع ببعض المتابعين لصحة الرئيس مام جلال ليطالبوا بإزاحته وإحلال بديل يطمح باحتلال المنصب بدلا عنه ؟ وأين صار الرمز الوطني والقاسم المشترك ؟ ثم ماهي المهمات الصعبة التي كانت تلقى على عاتق رئيس الجمهورية في الدستور ؟ وكلنا نعرف ان رئيس الجمهورية لم يعد كما كان سابقا فالدستور حدد مهماته ضمن المادة ( 73 ) بثمان مهمات جميعها مؤداة وفق الأصول والقانون .
ففي الوقت الذي يغيب اعضاء من مجلس النواب ووزراء مدد لايمكن القبول بها دون عذر ودون سبب ، ويتنقلوا بين مدن العالم برواتب عراقية تصلهم الى بيوتهم دون ان تنقطع ودون ان يسألهم احد عن وضعهم القانوني تشن حملة لملاحقة الوضع الصحي لمام جلال الطالباني .
واليوم علينا ان نستذكر مواقف مام جلال وحاجتنا الماسة له كقاسم عراقي مشترك ، وعلينا ايضا ان ننظر لقضية مام جلال بعين الأنصاف والمروءة والابتعاد عن التنكر للمواقف ، وعدم الأنجرار نحو التفسيرات الخاطئة والملغومة في ازاحته عن المنصب وهو في مرضه وفي وقت يعاني من تبعات احداث ومواقف عراقية ، وأن لاننخدع بمطالبات ملحة لعودته الى منصبه ومركزه الرئاسي وإلا فان اروقة السياسيين المتخاصمين على المراكز والمناصب ستتغلب على المواقف النزيهة والشريفة والحس الوطني في أن يبقى مام جلال رمزا عراقيا وطنيا نتفاخر به ، ونحتاجه ونتمنى عودته بسرعة لإكمال ماتبقى من مدته الرئاسية.
المطلوب قليلا من الانصاف وعدم التنكر لنضال عمره اكثر من نصف قرن ، والمطلوب ان نكون عراقيين بحق ونتمسك بالرئيس جلال الطالباني رئيسا لجمهورية العراق سواء كان مريضا أو مستمرا بخدمته ، وان نحفظ له مواقفه وسيرته ونضاله حتى بعد ان تتم احالته على التقاعد واعتزاله العمل السياسي ، فقد كتب بحق اسمه بأحرف بارزة في صفحات تاريخ العراق الحديث .