شراكة الجميع والمساواة والحكم الرشيد
اعداد : د.وداد حماد مخلف – المركز الديمقراطي العربي
عاد مصطلح «بلقنة العراق» إلى واجهة النقاش السياسي مع تصاعد الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة ومستقبل الفصائل المسلحة، لكن اختزال البلقنة في صورة تقسيم العراق إلى ثلاث دول، كردية في الشمال وسنية في الغرب وشيعية في الوسط والجنوب، يحجب جانبا أساسيا من المسألة. فالدول لا تبدأ بالتفكك عادة عندما يرسم أحدهم حدودا جديدة على الخريطة، وإنما عندما تفقد السلطة المركزية تدريجيا قدرتها على إدارة الجغرافيا الموجودة داخل حدودها. تبدأ العملية عندما يتوزع قرار القوة، وتنفصل المصالح الاقتصادية للمناطق عن المركز، وتصبح العلاقات الخارجية موزعة بين أطراف داخلية، ثم تتشكل مراكز نفوذ تستطيع اتخاذ قراراتها بمعزل عن الدولة. وعند هذه المرحلة تكون الخريطة الرسمية واحدة، لكن الواقع السياسي والأمني والاقتصادي أصبح متعدد الخرائط.
من هذه الزاوية، فإن بلقنة العراق لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها حدثا يقع في يوم محدد، وإنما باعتبارها مسارا يمكن أن يمتد سنوات. وقد يبقى العراق طوال ذلك المسار دولة واحدة في الأمم المتحدة، وله حكومة اتحادية وعلم وعملة وجواز سفر، بينما تتراجع في داخله قدرة المركز على فرض قرار موحد. ولهذا فإن أخطر أشكال البلقنة ليس بالضرورة إعلان ثلاث دول عراقية، بل الوصول إلى دولة واحدة شكليا وعدة سلطات فعليا.
خريطة نتنياهو والشرق الأوسط الذي يجري تصوره
اكتسب الحديث عن الخرائط أهمية إضافية بعد حرب غزة واتساع المواجهة الإقليمية. ففي 27 أيلول/سبتمبر 2024 وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة حاملا خريطتين، قدم إحداهما باعتبارها خريطة «البركة» والأخرى باعتبارها خريطة «اللعنة». الأولى عكست رؤيته لشرق أوسط يقوم على التطبيع والممرات الاقتصادية والربط بين آسيا والخليج وإسرائيل وأوروبا، بينما قدم الثانية باعتبارها قوس النفوذ الذي أنشأته إيران في المنطقة. ووضع العراق في سياق الصراع الإقليمي الأوسع المرتبط بإيران وشبكة حلفائها. هذا موثق في خطابه الرسمي، لكن الخريطة لم تكن، كما يُشاع أحيانا، وثيقة إسرائيلية معلنة تقسم العراق إلى دولة كردية وأخرى سنية وثالثة شيعية.
أهمية الخريطة ليست إذا في إثبات وجود قرار إسرائيلي منشور لتقسيم العراق، بل في أنها تكشف تصورا مختلفا للشرق الأوسط يقوم على إعادة ترتيب موازين القوة والممرات والتحالفات. وفي هذا التصور يحتل العراق موقعا بالغ الحساسية، لأنه يشكل الحلقة البرية بين إيران وسوريا وما بعدها باتجاه لبنان وشرق المتوسط، وفي الوقت نفسه يقع بين تركيا والخليج والأردن وإيران. ومن ثم فإن الصراع الحقيقي قد لا يبدأ بإعادة رسم حدود العراق، بل بإعادة تحديد موقعه الاستراتيجي: هل يبقى العراق جزءا من المجال الذي تتمتع فيه إيران بنفوذ واسع، أم يتحول إلى حاجز سياسي وأمني يفصل إيران عن امتدادها الغربي؟ ومن يسيطر على القرار العراقي في هذه الحالة يمتلك قطعة مركزية من خريطة الشرق الأوسط الجديدة.
الخريطة الافتراضية لتقسيم العراق
إذا انتقل التحليل من خريطة نتنياهو الموثقة إلى سيناريو تقسيم العراق نفسه، فإن الخريطة الأكثر تداولا تاريخيا تقوم على ثلاثة فضاءات رئيسية. الأول إقليم أو دولة كردية في الشمال تستند إلى حدود إقليم كردستان مع خلاف حاد حول المناطق المتنازع عليها، والثاني كيان عربي سني في غرب وشمال غرب العراق، والثالث كيان ذو أغلبية شيعية يمتد من مناطق الوسط والفرات الأوسط إلى الجنوب والبصرة. هذه ليست خريطة رسمية معتمدة، وإنما نموذج افتراضي ظهر مرارا في النقاشات التي أعقبت 2003 حول الفدرالية واللامركزية والتقسيم.
المشكلة أن هذا النموذج يبدو قابلا للتنفيذ فقط عندما يُرسم بثلاثة ألوان. على الأرض تختفي بساطته فورا، لأن العراق ليس ثلاث كتل بشرية منفصلة. بغداد وحدها تكفي لتعقيد الخريطة، ثم تأتي كركوك وديالى ونينوى وصلاح الدين وسنجار وسهل نينوى والمناطق المختلطة والطرق الاستراتيجية وحقول النفط ومصادر المياه. ولذلك فإن أي تقسيم فعلي سيحتاج إلى تحديد مصير مدن ومناطق لا يمكن إلحاقها بسهولة بكيان واحد على أساس قومي أو مذهبي. وهنا يمكن أن تتحول الحدود المفترضة من خطوط سياسية إلى بؤر صراع.
بغداد عقدة التقسيم الأولى
أي سيناريو جدي لتقسيم العراق سيصطدم ببغداد قبل أن يصطدم بمعظم القضايا الأخرى. العاصمة ليست مجرد مقر للحكومة، وإنما مركز مالي وإداري وسكاني وعسكري ورمز للدولة العراقية. تحويلها إلى عاصمة لكيان واحد سيخلق اعتراضات كبيرة، وتقسيمها سيولد مشكلات أمنية وديموغرافية هائلة، وتحويلها إلى منطقة اتحادية أو عاصمة مشتركة يحتاج إلى نظام سياسي بالغ التعقيد وضمانات داخلية وخارجية.
كما أن بغداد تربط شمال العراق بجنوبه وغربه بشرقه، وتتمركز فيها مؤسسات الدولة والبنك المركزي والوزارات والأجهزة الأمنية والسفارات والبنية الإدارية التي أدارت البلاد لعقود. ولذلك فإن تقسيم العراق لن يكون مجرد انفصال الأطراف عن بغداد، بل سيفتح معركة حول ملكية الدولة القديمة نفسها. وهذا ما يجعل نموذج التقسيم العراقي مختلفا عن انفصال منطقة طرفية تستطيع ببساطة إعلان استقلالها وترك مؤسسات الدولة المركزية للدولة الأم.
كركوك: العقدة التي يمكن أن تتحول إلى صراع حدودي
بعد بغداد تأتي كركوك بوصفها واحدة من أكثر النقاط حساسية في أي خريطة افتراضية. أهميتها لا تنبع من النفط فقط، وإنما من تركيبتها السكانية وموقعها بين الإقليم الكردي والمناطق العربية والتركمانية. وإذا جرى تحويل الحدود الإدارية الحالية إلى حدود دولية أو شبه دولية، فإن السؤال حول تبعية كركوك سيصبح سؤالا عن الأرض والثروة والهوية في الوقت نفسه.
وهنا تكمن خطورة البلقنة: الحدود الجديدة لا تحل النزاع بالضرورة، وإنما يمكن أن تحول النزاع الداخلي إلى نزاع بين كيانات سياسية مستقلة. فما يمكن التفاوض بشأنه اليوم داخل إطار دستوري عراقي قد يصبح مستقبلا نزاعا حدوديا بين دولتين أو أكثر. ولهذا فإن المناطق المختلطة ستكون على الأرجح أكثر أجزاء خريطة التقسيم قابلية للاشتعال.
النفط يرسم خريطة مختلفة عن الطوائف
العامل الاقتصادي يجعل فكرة التقسيم أكثر تعقيدا. فالعراق يمتلك، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، نحو 145 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المثبتة، ويُعد من كبار مالكي الاحتياطيات النفطية في العالم، بينما تعتمد مالية الدولة اعتمادا شديدا على الإيرادات النفطية. وتشير البيانات الأميركية إلى أن إيرادات تصدير النفط شكلت نحو 90 في المئة من إيرادات الحكومة العراقية في 2023. لذلك فإن تفكيك العراق سيعني عمليا تفكيك النظام المالي الذي تمول من خلاله الرواتب والتقاعد والجيش والخدمات وموازنات المحافظات.
وتظهر المشكلة لأن النفط لا يتوزع بالتساوي مع التوزيع السكاني. الثقل الأكبر للإنتاج والتصدير يوجد في الجنوب، مع وجود موارد مهمة في الشمال ومناطق أخرى. ولذلك فإن الكيانات التي قد تنتج عن التقسيم لن تبدأ حياتها بموارد متساوية. سيظهر منذ اليوم الأول سؤال تقاسم ثروة الدولة السابقة، وستصبح خطوط الأنابيب والموانئ والحقول والمصافي جزءا من رسم الحدود السياسية الجديدة.
البصرة قد تصبح أقوى من مجرد إقليم جنوبي
في سيناريو التقسيم ستكون البصرة أهم من كونها مدينة رئيسية داخل الكيان الجنوبي المفترض. فالموانئ الجنوبية تشكل منفذا أساسيا لصادرات النفط العراقي، وتشير بيانات الطاقة الأميركية إلى أن الصادرات البحرية العراقية تجاوزت 3.2 ملايين برميل يوميا في 2024، وأن الصادرات البحرية لذلك العام خرجت عبر الموانئ الجنوبية. وبذلك تمتلك البصرة في أي سيناريو تفكك عنصري القوة اللذين تحتاج إليهما الدولة النفطية: الحقول والمنفذ البحري.
لكن هذه القوة نفسها يمكن أن تنتج انقساما جديدا. فإذا تحول العراق إلى كيانات قائمة على مبدأ أن كل منطقة ينبغي أن تدير مواردها ومصالحها بصورة مستقلة، فإن المنطق ذاته قد يظهر داخل الجنوب. عندها يمكن أن ينشأ سؤال حول مقدار ما ينبغي للبصرة أن تسلمه من مواردها إلى مركز الكيان الجنوبي الجديد. وهكذا فإن التقسيم لا يضمن انتهاء الانقسامات؛ بل يمكن أن يجعل كل تقسيم أساسا لتقسيم أصغر منه.
غرب العراق بين ضعف الموارد وقوة الجغرافيا
الكيان الغربي المفترض، الممتد في سيناريوهات مختلفة عبر الأنبار وأجزاء من نينوى وصلاح الدين، سيكون أمام معادلة مختلفة. قد لا يمتلك الثقل النفطي الذي يمتلكه الجنوب، لكنه يمتلك واحدا من أهم المواقع الجغرافية في الشرق الأوسط. فالأنبار ترتبط بسوريا والأردن والسعودية، وتقع على طرق يمكن أن تربط الخليج ببلاد الشام وتركيا والبحر المتوسط. ولهذا يمكن أن تتحول الجغرافيا نفسها إلى المورد الاقتصادي والاستراتيجي الرئيسي لهذا الكيان.
هذا الموقع يمنح غرب العراق أيضا أهمية في الصراع بين إيران وخصومها. فالممر البري من إيران عبر العراق باتجاه سوريا يمر ضمن جغرافيا حساسة، وأي تغيير في السلطة المسيطرة على هذه المساحات سيؤثر في قدرة القوى الإقليمية على الحركة والاتصال. لذلك فإن مستقبل غرب العراق في أي سيناريو بلقنة لن يكون شأنا عراقيا داخليا فقط، بل سيصبح موضع اهتمام مباشر من الأردن والسعودية وسوريا وتركيا وإيران والولايات المتحدة.
كردستان بين جاهزية المؤسسات ومشكلة الجغرافيا
يبدو إقليم كردستان أكثر استعدادا من بقية المناطق لأي تحول في شكل الدولة، لأنه يمتلك بالفعل حكومة وبرلمانا ومؤسسات أمنية وإدارية وعلاقات اقتصادية خارجية. لكن امتلاك مؤسسات شبيهة بمؤسسات الدولة لا يحل مشكلة الجغرافيا. كردستان منطقة حبيسة، وأي دولة كردية مفترضة ستحتاج إلى تركيا أو إيران أو بقية العراق للوصول إلى الأسواق والموانئ.
وقد أظهرت أزمة خط أنابيب العراق–تركيا منذ 2023 مدى ارتباط اقتصاد الإقليم بممرات التصدير الخارجية. وتشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن إنتاج الحقول التي تديرها حكومة إقليم كردستان بلغ قرابة 300 ألف برميل يوميا في 2024، لكن القدرة على تحويل الإنتاج إلى عائدات مستقرة ترتبط بالتصدير والتفاهمات السياسية والقانونية. وبالتالي فإن استقلال كردستان، إذا وقع، لن يلغي اعتمادها على محيطها؛ بل سيحول العلاقة مع بغداد وأنقرة وطهران من علاقات داخل دولة أو بين إقليم وجيران إلى علاقات بين دول ومصالح متشابكة.
نزع السلاح: طريق إلى الدولة أو شرارة للأزمة
ضمن هذه البيئة يصبح ملف سلاح الفصائل أكثر خطورة من كونه قضية أمنية. إذا جرى حصر السلاح بيد الدولة من خلال اتفاق داخلي تدريجي، وأصبحت القاعدة واحدة على جميع القوى، وانتقل قرار الحرب والسلم فعليا إلى الحكومة ومؤسساتها الدستورية، فإن ذلك يمكن أن يكون من أهم العوامل التي تقلل احتمال البلقنة. فالدولة التي تحتكر القوة الشرعية ولا توجد داخلها جيوش سياسية متوازية تكون أكثر قدرة على إدارة أزماتها من دون تحولها إلى حدود ومناطق نفوذ.
لكن السيناريو يتغير إذا جرى نزع السلاح في صورة مواجهة شاملة. فإذا شعرت قوى اجتماعية وسياسية بأن القضية لم تعد حصر السلاح وإنما تغيير التوازن الداخلي، فقد ينتقل النزاع من علاقة الدولة بالفصائل إلى العلاقة بين مكونات الدولة نفسها. وإذا تحولت المواجهة إلى صراع مناطقي أو طائفي، فإن مطالب الحكم الذاتي والأقاليم قد تصبح أدوات للحماية السياسية والأمنية. وعندها يمكن أن تنتج محاولة منع البلقنة ظروفا تساعد عليها، ليس بسبب مبدأ حصر السلاح نفسه، بل بسبب الطريقة التي تم بها.
بقاء السلاح والبلقنة الناعمة
عدم نزع السلاح يحمل خطرا مختلفا وأبطأ. لن يعني ذلك أن العراق سيقسم مباشرة، لكنه قد يكرس نموذج الدولة متعددة القرارات. ففي الدولة الطبيعية يكون قرار الحرب والسلم والعلاقات العسكرية الخارجية من اختصاص المؤسسات الرسمية. أما عندما تستطيع جهات متعددة اتخاذ قرارات أمنية ذات تداعيات إقليمية، فإن الدولة تبدأ بخسارة جزء من سيادتها حتى لو بقيت حدودها ثابتة.
إذا استمر هذا النموذج طويلا فقد تتشكل «بلقنة ناعمة»: بغداد تدير الدولة رسميا، وإقليم كردستان يدير مساحة واسعة بصلاحياته المعروفة، وقوى محلية وسياسية ومسلحة تملك درجات مختلفة من النفوذ في مناطق أخرى. عندها لا توجد ثلاثة دول، ولكن توجد عدة مراكز قرار. ومع مرور الزمن يمكن أن تتحول هذه المراكز إلى حقائق سياسية يصعب على أي حكومة مركزية لاحقة تفكيكها.
اليوم التالي للتقسيم
إذا وصل العراق إلى التقسيم الرسمي، فلن يكون إعلان الدول الجديدة نهاية الأزمة بل بداية مرحلة أشد تعقيدا. ستظهر فورا قضية تركة الدولة العراقية: الجيش والسلاح والقواعد والطائرات والاحتياطيات المالية والديون والبنك المركزي والدينار وشركة تسويق النفط والسفارات والعقود الدولية والمياه والكهرباء وشبكات الأنابيب والمؤسسات الاتحادية. وسيحتاج كل كيان جديد إلى جيش وحدود وعملة أو ترتيبات نقدية ونظام مالي وسياسة خارجية ومصادر دخل.
ثم تأتي قضية السكان. التقسيم على أساس مذهبي أو قومي يفترض وجود حدود بشرية واضحة، بينما الواقع العراقي أكثر تداخلا. وإذا حاولت القوى الجديدة جعل السكان متطابقين مع الحدود، فقد تظهر موجات نزوح جديدة أو عمليات تبادل سكاني أو ضغوط على الأقليات. وعندها تتحول البلقنة من مشروع يفترض أنه ينهي الصراع الطائفي إلى آلية قد تعيد إنتاجه على الحدود الجديدة.
إيران وخسارة العراق بوصفه ممرا واحدا
إيران ستكون من أكثر القوى الإقليمية تأثرا بأي تغيير جذري في بنية العراق. العراق الموحد الذي تتمتع طهران داخله بنفوذ سياسي وأمني واقتصادي يمنحها عمقا استراتيجيا مهما، كما أن الجغرافيا العراقية تمثل حلقة اتصال باتجاه سوريا ولبنان. تقسيم العراق سيجعل هذه الجغرافيا موزعة بين سلطات مختلفة، وقد يظهر في الغرب كيان أقل ارتباطا بطهران، وفي الشمال كيان كردي يسعى إلى موازنة علاقاته بين تركيا والغرب وإيران، وفي الجنوب كيان ذو غالبية شيعية قد تكون لإيران داخله علاقات قوية.
لكن المذهب وحده لا يكفي لضمان النفوذ، فالمصالح الوطنية والاقتصادية يمكن أن تنتج خلافات حتى بين أطراف متقاربة مذهبيا. ولذلك فإن تقسيم العراق قد يقلص قدرة إيران على التعامل معه كمساحة سياسية وجغرافية واحدة، لكنه قد يدفعها في المقابل إلى تكثيف نفوذها داخل المناطق الأقرب إليها. وبدلا من انتهاء الصراع الإقليمي، يمكن أن يتحول العراق السابق إلى خط تماس مباشر بين مناطق نفوذ متنافسة.
تركيا والدولة الكردية المحتملة
تركيا ستواجه نتيجة استراتيجية مباشرة إذا تحول إقليم كردستان إلى دولة مستقلة. فأنقرة تمتلك علاقات تجارية واقتصادية واسعة مع الإقليم، لكنها تنظر في الوقت نفسه إلى القضية الكردية من منظور أمنها القومي ووحدة أراضيها. لذلك سيكون موقفها محكوما بموازنة بين المصالح الاقتصادية والمخاوف الأمنية.
وستزداد المسألة تعقيدا بسبب الموصل وكركوك والطاقة والممرات التجارية. ومن هنا يمكن أن يصبح شمال العراق ساحة تنافس تركي–إيراني أوسع، مع حضور أميركي وغربي، بدلا من تحوله تلقائيا إلى منطقة مستقرة بمجرد الاستقلال.
الخليج والأردن وإعادة اكتشاف غرب العراق
بالنسبة إلى السعودية والأردن ودول الخليج، يمكن أن يخلق كيان في غرب العراق فرصا اقتصادية واستراتيجية جديدة، خصوصا في مجالات النقل البري والطاقة والاستثمار وربط الخليج بالبحر المتوسط. وقد يتحول غرب العراق إلى مساحة وصل بديلة عن الممرات التي تمر عبر مناطق نفوذ إيرانية.
لكن المكاسب المحتملة تقابلها مخاطر كبيرة. فإذا كان الكيان الجديد ضعيفا اقتصاديا أو منقسما سياسيا، فقد يتحول إلى منطقة فراغ أمني وتهريب وتنافس إقليمي، وقد تظهر فيه جماعات متطرفة مستفيدة من ضعف المؤسسات. ولهذا فإن وجود عراق موحد ومستقر قد يكون أكثر فائدة لجيرانه من وجود كيانات ضعيفة تحتاج كل منها إلى راعٍ خارجي.
إسرائيل والعراق في معادلة النفوذ الإيراني
من المنظور الإسرائيلي، القيمة الاستراتيجية للعراق مرتبطة إلى حد كبير بموقعه في شبكة النفوذ الإيراني. وهذا ما يجعل خريطة نتنياهو لعام 2024 مهمة لفهم الرؤية الإسرائيلية. فالخريطة لم تقل إن العراق يجب أن يقسم إلى ثلاث دول، لكنها وضعت المنطقة ضمن صراع بين مشروعين، أحدهما يرتبط بإيران وحلفائها والآخر يسعى إلى بناء منظومة إقليمية مختلفة من العلاقات الاقتصادية والأمنية.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم المصلحة الإسرائيلية في عراق لا تستطيع إيران استخدام أراضيه ومجاله السياسي والعسكري للوصول إلى جبهات أخرى. وقد يتحقق ذلك من خلال دولة عراقية مركزية قوية تمنع أي طرف من استخدام أراضيها، وليس بالضرورة من خلال تقسيم العراق. بل إن التقسيم الفوضوي يمكن أن ينتج مناطق جديدة تستخدمها قوى مسلحة، وبالتالي فإن المصلحة في إضعاف النفوذ الإيراني لا تعني تلقائيا مصلحة في تقسيم الدولة العراقية.
النفط يجعل البلقنة أزمة دولية
أي حرب واسعة ترافق تقسيم العراق لن تبقى أزمة محلية. فالعراق كان ثاني أكبر منتج للنفط الخام في أوبك بعد السعودية في 2024 وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، وبلغ متوسط إنتاجه نحو 4.4 ملايين برميل يوميا، منها نحو 4.1 ملايين في المناطق التي تديرها الحكومة الاتحادية وقرابة 300 ألف من حقول حكومة إقليم كردستان.
ولهذا فإن الصراع على البصرة أو المنشآت النفطية أو الموانئ الجنوبية يمكن أن يؤثر في أسواق الطاقة العالمية. وإذا تزامن تفكك العراق مع أزمة إقليمية أوسع في الخليج أو مضيق هرمز، فستصبح التداعيات أكبر بكثير من قدرة الكيانات العراقية المفترضة على التحكم بها. وهنا تظهر مصلحة دولية في منع تحول الخلاف العراقي إلى انهيار شامل للدولة، حتى بين قوى دولية تختلف جذريا بشأن السياسة العراقية.
السيناريو الأقرب ليس التقسيم الفوري
رغم كل عوامل الخطر، لا يبدو تقسيم العراق رسميا إلى ثلاث دول هو النتيجة الحتمية أو حتى السيناريو الأقرب تلقائيا. الأكثر واقعية هو استمرار العراق دولة واحدة مع صراع طويل حول طبيعة المركز، وحدود صلاحيات كردستان والمحافظات، وموقع الفصائل، وتوزيع الموارد، والعلاقة مع إيران والولايات المتحدة والدول العربية.
بعد ذلك يأتي احتمال توسيع اللامركزية أو ظهور أقاليم جديدة، بحيث يبقى العراق دولة اتحادية ولكن بصلاحيات محلية أكبر. أما السيناريو الأخطر فهو البلقنة الناعمة التي يبقى فيها العراق واحدا في القانون ومتعددا في مراكز القوة. التقسيم الرسمي يأتي في مرحلة لاحقة إذا اجتمعت ظروف أكثر قسوة، مثل انهيار النظام الدستوري أو اندلاع حرب أهلية واسعة أو عجز الحكومة المركزية عن تمويل المحافظات وإدارة مؤسسات الدولة أو حدوث تحول إقليمي ودولي كبير يسمح بتحويل مناطق النفوذ إلى كيانات سياسية مستقلة.
ما بعد التقسيم: شرق أوسط أكثر استقرارا أم أكثر انفجارا؟
إذا وقع التقسيم، فلن تتغير خريطة العراق وحدها. ستتغير البيئة الاستراتيجية المحيطة به. إيران ستعيد حساب خطوط نفوذها، وتركيا ستعيد حساب موقفها من الدولة الكردية، ودول الخليج والأردن ستعيد بناء علاقاتها مع غرب العراق، وستدخل القوى الكبرى في منافسة على النفط والممرات والقواعد والعلاقات مع الكيانات الجديدة. كما ستعود مسألة الحدود والهويات إلى دول أخرى في المنطقة تضم مجتمعات متعددة.
وهنا تكمن الخطورة الإقليمية الكبرى للبلقنة. نجاح تقسيم دولة كبيرة ومتعددة مثل العراق يمكن أن يجعل فكرة إعادة بناء الدول على أسس قومية أو مذهبية جزءا من النقاش في مناطق أخرى. وفي المقابل، إذا أدى التقسيم العراقي إلى حروب حدودية ونزوح وصراع على النفط والمياه، فسوف يتحول العراق إلى نموذج تحذيري من تفكيك الدول وليس نموذجا لتكراره.
الخريطة الأخيرة يرسمها ميزان القوة
مستقبل العراق لن يقرره السلاح وحده، ولن تحدده خريطة يرفعها نتنياهو أو مسؤول أميركي أو إيراني. العامل الحاسم سيكون قدرة الدولة العراقية على الاحتفاظ بثلاثة عناصر في وقت واحد: القوة الشرعية، والقرار السيادي، وإدارة الثروة بطريقة تجعل جميع المناطق ترى مصلحتها في استمرار الدولة.
إذا نُزع سلاح الفصائل ضمن تسوية تقوي المؤسسات وتمنع احتكار الدولة من طرف سياسي واحد، فإن خطر البلقنة يتراجع. وإذا تحول نزع السلاح إلى حرب داخلية واسعة، فقد يصبح أحد المحفزات التي تدفع المناطق إلى البحث عن حماية خارج المركز. وإذا بقي السلاح والقرار موزعين بين قوى متعددة، فإن التقسيم قد لا يقع سريعا، لكن الدولة يمكن أن تدخل تدريجيا في مرحلة البلقنة الناعمة.
في النهاية
أخطر خريطة لتقسيم العراق ليست الخريطة المطبوعة التي تظهر ثلاثة ألوان، وإنما الخريطة غير المرئية التي تتشكل عندما يصبح لكل منطقة مصدر قوتها، ولكل قوة حليفها الخارجي، ولكل مركز قرار سياسته الأمنية والاقتصادية. فإذا وصل العراق إلى تلك المرحلة، ستكون الحدود السياسية الجديدة مجرد اعتراف متأخر بحدود سبق أن صنعتها موازين القوة على الأرض.
أما إذا استطاعت الدولة أن تعيد احتكار القرار وتوزع الثروة بصورة قابلة للاستمرار وتحول اختلاف مكوناتها من صراع على الدولة إلى مشاركة داخلها، فإن البلقنة ستبقى سيناريو مطروحا في الخرائط والتحليلات أكثر مما هي واقع قابل للتنفيذ.