×

  بحوث و دراسات

  عندما تتحدد مسارات للعلاقات الإقليمية والدولية من دواخل بلدان



*محمد سيد رصاص

 

في عام 1918 استسلمت الدولة العثمانية للحلفاء، واحتلت القوات البريطانية والفرنسية والإيطالية واليونانية معظم الجغرافية التي تقام عليها الجمهورية التركية الحالية. في عام 1919 قام مصطفى كمال بشن حرب إخراج الجيوش الأجنبية من المناطق التي احتلتها، بالترافق مع إنشائه لسلطة موازية في أنقرة رفضت تنازلات الدولة العثمانية في إسطنبول التي رضيت واعترفت بالواقع القائم عبر معاهدة سيفر عام 1920. قام مصطفى كمال بعقد اتفاقية مع البلاشفة أفزعت البريطانيين، وفي الوقت نفسه عمل اتفاقية 1921 مع خصوم لندن الفرنسيين في سوريا التي تنازلوا فيها له عن 18 ألف كيلومتر من الأراضي التي كانت في معاهدة سيفر في أراضي سورية المنتدبة، والتي لا يسمح ميثاق عصبة الأمم للدولة التي يعطيها سلطة الانتداب بأن تتنازل عن أي جزء من الأراضي المُنتدبة، ثم ركز جهده الحربي ضد اليونانيين والإيطاليين، وعندما هزمهما عسكريا، كانت بريطانيا العظمى مضطرة للتفاوض معه.

ومن ثم في معاهدة لوزان عام 1923 كان وزير الخارجية البريطاني اللورد كرزون هو القابلة القانونية لولادة الجمهورية التركية ولكن الحبل بها كان عبر العمل العسكري الذي بدأ عام 1919 ونسغ حياة الجنين عبر الوقائع المفروضة على الأرض بالحديد والنار طوال السنوات الفاصلة عن التوقيع على معاهدة لوزان.

كان مصطفى كمال (لاحقا أتاتورك) مثالا كبيرا على كيف تتحدد مسارات العلاقات الدولية وترسم من دواخل بلدان. فهو وحد أجزاء متناثرة كانت تحت سيطرة جيوش أجنبية عدة، بالاعتماد على العامل الذاتي الداخلي وعزف على أوتار الإسلام والأخوة التركية - الكردية، وعندما وصل لما يريد عبر معاهدة لوزان أظهر علمانيته المعادية للإسلام وشوفينيته القومية التركية.

من ذلك الحطام الجغرافي تحت قبضة الأجانب عام 1919 وصل مصطفى كمال خلال أربع سنوات من حرب الاستقلال إلى دولة أصبحت محورية في العلاقات الدولية، خطب الفرنسيون حيادها في الحرب التي بانت نذرها مع الألمان عبر سلخ لواء إسكندرون بين عامي 1937 و1939 عن الخريطة السورية التي اعترف فيها الأتراك في لوزان. ثم كان دور تركيا محوريا في حلف الأطلسي ضد الاتحاد السوفياتي. وهي الآن تعيش شهر عسل جديد مع أميركا دونالد ترامب الذي يريد إعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد يوم 7 أكتوبر 2023.

 

هناك أيضا أمثلة عديدة:

في يوم 27 نيسان 1978 استولى الشيوعيون على السلطة في أفغانستان عبر انقلاب عسكري. بعد ثلاثة أشهر عاد الانقسام بين الشيوعيين إلى جناحين، كما كان الأمر في مرحلة ما بعد انقسام «حزب الشعب الديموقراطي» عام 1967، بعد عامين من تأسيسه، إلى جناحين: «خلق» (الشعب) وغالبيته من قومية الباشتون و«بارشام» (الراية) وغالبيته من أقليتي الطاجيك والهازارا الشيعة. وهو انقسام للجناحين كان السوفيات بداية العام 1978 قد نجحوا في توحيدهما، وبعد الانقسام الجديد تم إبعاد زعيمي بارشام، بابراك كارمال ومحمد نجيب الله، سفراء بالخارج في براغ وطهران.

كانت الأزمة بين الشيوعيين ناتجة عن أن البارشاميين يريدون التعامل الشديد مع المعارضة التي برزت في مجتمع تقليدي، امتشق الإسلاميون فيه السلاح ضد الشيوعيين الذين وصلوا إلى السلطة، بحكم انتشار ضباطهم بالجيش الذي تخرج وتدرب ضباطه بمعظمهم في الاتحاد السوفياتي، وليس بقوتهم الجماهيرية، فيما أراد الجناح الآخر، بزعامة نور محمد طرقي وحفيظ الله أمين، الاعتدال. مع اشتداد أزمة الحكم الشيوعي، التي وصلت لحدود سيطرة الإسلاميين المسلحين على معظم الأرياف، حسم أمين الأمر في أيلول 1979 وأبعد طرقي من الرئاسة ضد إرادة موسكو واتجه لحل جذري. تكشف الوثائق الأميركية، ومنها أوراق للسفير الأميركي في كابول، فيما بعد بأنه كان حلا بالتنسيق مع واشنطن يقضي بحل الأزمة الداخلية الأفغانية بين الحكم الشيوعي والإسلاميين عبر تسوية بينهما.

قاد هذا الاتجاه إلى صدام بين الرئيس الأفغاني حفيظ الله أمين وموسكو، وفي الشهر الأخير من عام 1979 جرت محاولتان لاغتيال أمين عبر دس السم في طعامه ومن ثم عبر زجاجة كولا، وعندما فشلت عمليتا الاغتيال، لجأ السوفيات إلى التدخل العسكري المباشر في أفغانستان بيوم 27 كانون الأول 1979 حيث قتلوا أمين وقاموا بتنصيب كارمال رئيسا ونجيب الله رئيسا للمخابرات قبل أن يتولى الأخير الرئاسة عام 1986، بعد إبعاد كارمال.

قاد الغزو السوفياتي لأفغانستان إلى التسبب في أكبر أزمة دولية شهدتها مدة الحرب الباردة (1947-1989) بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وهي أكبر من أزمات تفرعت عن تلك الحرب مثل الأزمة المجرية عام 1956 أو الأزمة التشيكوسلوفاكية عام 1968 أو أزمة ثغرة الدفرسوار في حرب 1973 العربية - الإسرائيلية.

كانت تلك الأزمة الدولية التي أنتجها يوم 27 كانون الأول 1979 الأفغاني، باصطفافاتها الدولية حيث وقفت أوروبا الأطلسية والصين مع واشنطن، وباصطفافاتها الإقليمية حيث ساندت باكستان والسعودية ومصر الأميركان، ناتجة عن أزمة داخلية بين الشيوعيين الأفغان فيما بينهم، وبينهم وبين المعارضين الإسلاميين، حيث وجد الشيوعيون الحاكمون أنفسهم في حال تنازع خيارات في سلطة مهزوزة أتت عبر انقلاب عسكري ثم وجدت نفسها عاجزة أمام مقاومة مسلحة قوية من الإسلاميين. أنتج الصراع الأميركي - السوفياتي في أفغانستان 1980-1989 هزيمة للسوفيات في كامل الحرب الباردة، وكانت عاملا رئيسيا في تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991، وأنتج أيضا «تنظيم القاعدة» الذي ولد في خريف 1989 في مدينة بيشاور الباكستانية، المجاورة للحدود الأفغانية، بعد أن تقاطر مئات آلاف الإسلاميين إلى أفغانستان لمحاربة الكرملين برضى الأميركان ومعاونة الباكستانيين والسعوديين.

يمكن هنا القول بأن يوم 11 سبتمبر 2001، عندما ضرب تنظيم «القاعدة» برجي نيويورك، ما كان ليوجد لولا يومي 27 نيسان 1978 و27 كانون الأول 1979 الأفغانيين، وما كان بدونهما لأن يوجد في عام 2004 تنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين» بزعامة أبو مصعب الزرقاوي الذي بايع زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن وأيمن الظواهري لمواجهة الأميركان بعد عام من غزوهم للعراق. هذا التنظيم الذي كان الرحم الذي ولدت منه «دولة العراق الإسلامية» عام 2006 التي أرسل زعيمها أبو بكر البغدادي في صيف 2011 أبو محمد الجولاني لتأسيس «جبهة النصرة» في سوريا، في رهان على تربة سورية مناسبة للإسلاميين المسلحين في ظل ما بعد الانفجار السوري بيوم 18 آذار 2011 في درعا، وعبر البغدادي، وإثر خلاف مع الظواهري والجولاني، تم تأسيس «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) في 9 نيسان من عام 2013، والتي امتدت إلى ليبيا ونيجريا وباكستان وأفغانستان وأصبحت تنافس عالميا تنظيم «القاعدة» الذي لا يزال قويا في اليمن والصومال ومالي.

هذا يعطي صورة عن التأثيرات الخارجية لأزمة داخلية في المحيطين العالمي والإقليمي وأحيانا ما تخلقه من تداعيات إيديولوجية حيث أن التيار السلفي - الجهادي، والذي هو أكبر تيار إسلامي منافس للتيار الأصولي الإخواني، قد ولد من رحم تجربة الإسلاميين من «الأفغان العرب» الذين أتوا لهناك في الثمانينيات، وكان المؤسس الفكري هو السوري مصطفى ست مريم نصار (أبو مصعب السوري).

هناك أزمات داخلية كانت لها تأثيرات خارجية كبرى، فمثلا، أن تأثيرات وتداعيات الأزمة السورية والتي أصبحت ببنية أزمة داخلية – إقليمية – دولية – منظمات عابرة للحدود (وتعريف الأزمة هو «عندما لا يستطيع طرفان حسم الصراع لصالح أحدهما، أو إنتاج تسوية بينهما»)، قد أنتجت «داعش»، كما أنتجت الأزمة الأفغانية «القاعدة»، و«داعش» ليست فعليا منتجا عراقيا بل سوري ولد في ظل ما جرى في سوريا ما بعد 2011 وليس من عراق ما بعد 2003. و«داعش» أصبحت منذ عام 2014 فاعلا دوليا يمتد من منظمة «بوكو حرام» في نيجيريا إلى «طالبان باكستان». ومن هذا الواقع، في تشرين الثاني 2015، عندما جرت تفجيرات باريس قال مسؤول فرنسي إن «نار تفجيرات باريس كان عود ثقابها في الرقة عاصمة دولة داعش». ومن هذه الرؤية أتى إنشاء «التحالف الدولي ضد داعش» في تلك المدة (أيلول 2014).

في تعليق على انفجار الصراع العسكري في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع قال رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك، بعد أسابيع قليلة من ذلك الانفجار البادىء في يوم 15\4\2023، ما يلي: «هناك خطورة في تفاقم النزاع في السودان وتحوله إلى أحد أسوأ الحروب الأهلية في العالم… وإذا كان السودان سيصل إلى نقطة حرب أهلية حقيقية… فإن كل من سوريا واليمن وليبيا ستكون مجرد مبارزات صغيرة». والآن برهانا على كلام حمدوك هناك بالسنوات الثلاث ونصف السنة الماضية صراع سوداني بين عرب الشمال (الجيش السوداني) وعرب الأطراف في دارفور (قوات الدعم السريع) تنخرط فيه بأشكال غير مباشرة دول مثل الإمارات وإثيوبيا وتشاد مع «الدعم السريع» فيما تقف مصر والسعودية وإريتريا مع الجيش، بينما يقف الغرب الأميركي - الأوروبي في وضعية «راقب وانتظر».

كتكثيف: تطورات داخلية تنتج أوضاعا جديدة في المحيطين الإقليمي والعالمي، وأحيانا ترسم الكثير من ملامحهما: مجيء جمال عبد الناصر للسلطة في مصر عام 1952 أنشأ مشهدا عربيا جديدا ما بين الرباط والبحرين وما بين حلب وعدن، ودفع قوى دولية لشن حرب عليه في عام 1956، ثم دفعت واشنطن تل أبيب لشن حرب 1967 عليه. وكما رُسم الإقليم على وقع الحدث الداخلي المصري الجاري عام 1952، فإن الإقليم، وأيضا سلوكيات الدول الكبرى في العالم تجاه المنطقة، لا تزال حتى الآن يُرسم أو يجري إيقاعه على ضوء ما جرى في طهران بيوم 11شباط 1979.

* كاتب سوري

*صفحة الكاتب


11/10/2026