مجلة "Persona"/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
بالنسبة لي، يبدو من الواضح أن هناك شيئا يسمى "الطبيعة البشرية" — أي مجموعة من القدرات والسلوكيات والقيود التي تميز النوع البشري ككل، وتفرق البشر عن الشمبانزي والغوريلات، ناهيك عن الماعز وديدان الأرض.
لقد كانت الطبيعة البشرية عاملا أساسيا في تطور الفلسفة السياسية الغربية، ومن ثم في تطور السياسة نفسها، ففي كتاب "الجمهورية"، طرح سقراط السؤال عما هو صحيح في الإنسان «بحكم الطبيعة»، وما هو مجرد عرف وعادة، فالعادات قابلة للتغيير، ويمكن للمجتمعات أن تعيد تشكيلها بصورة متعمدة، بينما تتمتع الطبيعة البشرية بدرجة من الثبات تمنحها أولوية فيما يتعلق بالغايات التي يسعى إليها البشر.
ولنأخذ مثالا واحدا على ذلك: تختلف اللغات البشرية بين الثقافات، لكن "القدرة على استخدام اللغة" مشتركة بين جميع الثقافات، سواء كانت يونانية أم بربرية، كما أن القدرة على استخدام اللغة ارتبطت ارتباطا وثيقا بالعقل البشري والتنظيم الاجتماعي.
بدأ "توماس هوبز"، أحد مؤسسي الليبرالية الحديثة، كتابه "اللفياثان" بوصف شامل لشغف الإنسان ودوافعه، وهو ما يمكن فهمه باعتباره تصوره للطبيعة البشرية.
وقد أكد هوبز، على نحو شهير، عدم وجود قواعد أخلاقية طبيعية، وأن حرب «كل إنسان ضد كل إنسان» تقود إلى حالة من العنف وانعدام الأمن تجعل الحياة «بشعة، بائسة، وحشية وقصيرة».
وكانت هذه الحالة، بدورها، نتاجا لشغفين بشريين أساسيين: الرغبة في "«الكسب»"، أي الموارد التي يوليها الاقتصاديون أهمية، وكذلك الرغبة في "«المجد»" — أي رغبة الإنسان في أن يقدّر الآخرون قيمته باعتباره متفوقا عليهم.
ورغم أن هوبز لم يستخدم مصطلح أفلاطون "«الثيموس» (Thymos)"، فإن هذا هو تحديدا ما كان يتحدث عنه، ولا سيما مخاطر "«الميغالوثيميا» (Megalothymia)"، أي الرغبة في أن يُعترف بالمرء باعتباره متفوقا على الآخرين.
إن تصور هوبز للطبيعة البشرية يقود، إذن، مباشرة إلى فهمه للسياسة، فالعنف الذي يسود "حالة الطبيعة" يغذي أقوى نزعة بشرية طبيعية، وهي "الخوف من الموت العنيف". وهذا ما أصبح أساسا لحجته بأن «أول حق من حقوق الطبيعة» هو "حق الإنسان في الحفاظ على حياته".
في حالة الطبيعة الفوضوية، لم يكن بإمكان البشر تجنب تهديد حياة بعضهم بعضا. ولذلك كان "اللفياثان، أو الدولة"، ضروريا لإقامة عقد اجتماعي يتنازل بموجبه كل فرد عن قدر قليل من حريته الطبيعية، في سبيل الحفاظ على حياته.
وكانت الرغبة في الأمان والتحرر من الخوف من الموت العنيف أقوى من مشاعر أو رغبات أخرى، مثل الرغبة في قضاء عطلة صيفية ممتعة أو العمل لمدة أربعين ساعة في الأسبوع، ولذلك كانت لها الأولوية في سلم الحقوق الأساسية.
وكان "«حق هوبز في الحياة»" هو الأصل الذي انبثق منه لاحقا حق توماس جيفرسون في "«الحياة والحرية والسعي إلى السعادة»"، كما ورد في إعلان الاستقلال الأمريكي. وكان ذلك امتدادا لتقليد "«القانون الطبيعي»" الذي يمتد من أرسطو، مرورا بتوما الأكويني، وصولا إلى هوبز ولوك والآباء المؤسسين للولايات المتحدة.
ومن الصواب النظر إلى هوبز باعتباره واحدا من مؤسسي الليبرالية الحديثة، رغم أن "اللفياثان" الذي تصوره لم يكن، بأي حال، ما يمكن أن نصفه اليوم بأنه دولة ليبرالية، فهو أول من جادل بأن "الحقوق متأصلة في الأفراد"، الذين يوافقون طوعا على عقد اجتماعي.
وقد دارت معظم الخلافات السياسية الكبرى خلال القرون اللاحقة حول تصورات مختلفة للطبيعة البشرية، وبالتالي حول أنواع الأنظمة السياسية التي ينبغي اشتقاقها من تلك التصورات.
فعلى سبيل المثال، كان "جون لوك"، الذي مارس تأثيرا هائلا على الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، يحمل رؤية أكثر اعتدالا للطبيعة البشرية، تضمنت نزعة طبيعية إلى "امتلاك الممتلكات، والعمل على زيادة إنتاجيتها".
وقد ظهرت الملكية الخاصة عندما امتزج العمل البشري بـ "«الأشياء الطبيعية التي تكاد تكون عديمة القيمة»"، وأصبحت أساسا للتبادل في السوق، ومن ثم للنمو الاقتصادي.
أما "جان جاك روسو"، فقد اختلف صراحة مع هوبز، مجادلا بأن "«الإنسان الطبيعي»" لم يكن عنيفا أو جشعا، بل كان مخلوقا خجولا ومنعزلا، يمتلك في داخله القدرة على السعادة.
أما التوق إلى الموارد والمجد الذي وصفه هوبز، فلم يظهر، بحسب روسو، إلا عندما اجتمع البشر الأوائل في مجتمعات، وبدأوا يقارنون أنفسهم بعضهم ببعض.
وهكذا، لم تكن "الطبيعة البشرية"، بل "المجتمع"، هو مصدر التنافس والعنف ومشاعر الحسد. ولم يكن من الممكن استعادة السعادة البشرية إلا من خلال استعادة "«الإنسان الطبيعي» الأصيل" الكامن خلف العادات والضغوط التي أوجدها "«المجتمع» الخارجي".
على الرغم من اختلافهم فيما بينهم، فإن نظريات هؤلاء المفكرين في العصر الحديث المبكر حول الطبيعة البشرية أرست الأسس لليبرالية الحديثة، فقد افترض هوبز ولوك وروسو جميعا أن "حالة الطبيعة" كانت تتكون من أفراد معزولين يسعون إلى تحقيق غاياتهم الخاصة، وأن المجتمعات البشرية لم تظهر إلا في مرحلة لاحقة، عندما اتفق الناس على التعاون بوصفه وسيلة لتحقيق غاياتهم الفردية.
وكان الشكل الوحيد للمجتمع البشري الذي اعتُبر طبيعيا هو "الأسرة"، حيث يدفع الميل الجنسي الرجال والنساء إلى الاعتماد المتبادل.
ولا تزال هذه الرؤية في صميم "الاقتصاد الحديث السائد ذي الطابع النيوكلاسيكي": فالافتراض الأساسي هو أن البشر كائنات عقلانية تسعى إلى تعظيم المنفعة، وتدرك أن بإمكانها زيادة رفاهها الفردي من خلال العمل مع الآخرين.
ويصبح هذا أساسا لنظرية "مانكور أولسون" واسعة الاستخدام في "الفعل الجماعي"، حيث يكون التعاون الاجتماعي مدفوعا في المقام الأول بالحوافز الفردية.
وفي تصور "جون لوك" للزواج والإنجاب، لا تقوم الأسرة على روابط عاطفية تنشأ من الطبيعة البشرية، بل هي بالأحرى "اتحاد طوعي قائم على حساب عقلاني للمصلحة الذاتية على المدى الطويل".
ومن ثم، فإن "الفردانية البدائية" هي افتراض بشأن الطبيعة البشرية يقع في صميم الليبرالية الحديثة، السياسية منها والاقتصادية على حد سواء.
وفي هذا الصدد، قطع هؤلاء المفكرون مع رؤية "أرسطو" التي ترى أن الإنسان هو "«حيوان سياسي» بطبيعته"، ولا يستطيع أن يعيش حياة مزدهرة إلا داخل المدينة.
وقد تعرض الافتراض الفرداني لهجوم مباشر من جانب مفكري اليسار، بدءا من "كارل ماركس"، الذي اعتبر أن البشر كائنات اجتماعية بطبيعتها، تسعى إلى تحقيق غايات جماعية بدلا من الغايات الفردية.
واعتُبرت الفردانية الليبرالية ظاهرة تاريخية طارئة ظهرت مع نمو الرأسمالية الحديثة، لكنها أدت إلى "تشويه بالغ في فهم السعادة الإنسانية".
غير أن الافتراضات الفردانية لليبرالية لم تتعرض للهجوم من اليسار وحده، بل من اليمين أيضا.
فقد لاحظ عالم القانون الإنجليزي الكبير "هنري مين"، في منتصف القرن التاسع عشر بالفعل، أن ما كان معروفا عن المجتمعات المبكرة يتناقض مع الافتراض الفرداني؛ إذ لم يكن هناك، بحسب ما أظهره السجل التاريخي، أي زمن لم تكن فيه المجتمعات البشرية موجودة.
فلم تكن هناك مرحلة من التاريخ اتسمت بوجود أفراد معزولين على النحو الذي تصوره هوبز ولوك وروسو.
وباتباع "تشارلز داروين" ونظرية التطور، أصبح من الواضح بصورة أكبر، بحلول القرن العشرين، أن أسلاف البشرية من غير البشر كانوا يعيشون هم أيضا في جماعات اجتماعية متفاوتة في درجة تعقيدها.
وكان ما يميز منتقدي الفردانية الليبرالية من اليسار واليمين يتعلق "بنوع الجماعة الاجتماعية التي ينجذب إليها البشر بطبيعتهم" فبالنسبة إلى ماركس وأتباعه في اليسار، كانت تلك الجماعات تتمثل في "الطبقات الاجتماعية الكبرى"، مثل البرجوازية والبروليتاريا، أو، في نهاية المسار التاريخي الماركسي، "الدولة الشيوعية".
أما بالنسبة إلى مفكري اليمين، من "يوهان غوتفريد هيردر" إلى "أوزفالد شبنغلر" وصولا إلى المحافظين القوميين المعاصرين، فكانت تلك الجماعات تتمثل في "الجماعات الثقافية"، بدءا من القبائل، وصولا إلى الأمم والحضارات.
وكانت المعتقدات المحددة التي تقوم عليها الثقافات المختلفة متباينة، لكن كانت هناك "نزعة بشرية طبيعية إلى إنتاج الثقافة والعيش داخل أفق ثقافي مغلق".
إن الافتراضات المختلفة بشأن الطبيعة البشرية، التي يمثلها هوبز وروسو، تترتب عليها آثار كبيرة بالنسبة إلى الجدل المعاصر حول "البيئية"، بل وحول طبيعة السعادة الإنسانية نفسها.
فقد قدم هوبز نسخة علمانية من العقيدة المسيحية الخاصة بـ "الخطيئة الأصلية": إذ كان البشر، في نظره، جشعين وخائفين وعنيفين ومغرورين بطبيعتهم؛ ولم يكن من الممكن إبقاء هذه النزعات الطبيعية تحت السيطرة إلا من خلال اجتماعهم في إطار عقد اجتماعي.
أما روسو، فعلى العكس، فقد قلب العلاقة بين الداخل والخارج: كان البشر أخيارا بطبيعتهم؛ ولم يفسدهم ويجعلهم تعساء إلا دخولهم في المجتمع.
ويتقاسم اليوم هذا الافتراض الروسوي كثير من علماء الأنثروبولوجيا والبيئيين، الذين يميلون إلى الاعتقاد بأن "المجتمعات الأصلية" أكثر سلاما وحرصا على حماية البيئة من البشر الذين يعيشون في المجتمعات الصناعية الحديثة.
وخلال القرنين الماضيين، اشترك كثير من الناس في المجتمعات الغربية الليبرالية في افتراض روسو بشأن "«الخير الطبيعي للإنسان»".
ويصح ذلك بقدر ما يقدّر هؤلاء الناس "الأصالة الداخلية"، ويعتقدون أن ضغوط «المجتمع» هي التي تقمع تلك الأصالة وتحرمهم من السعادة التي كانوا سيستمتعون بها بصورة طبيعية.
في عالم هوبزي، تعني مرحلة النضج أن يتقبل الإنسان حقيقة أنه لا يستطيع أن يفعل كل ما يريد، وأن الحياة الناجحة تتطلب "الامتثال للقواعد الاجتماعية".
أما في عالم روسوي، فعلى العكس، تظل الذات الداخلية في بحث دائم عن التحرر من القيود الاجتماعية الخانقة، سواء كانت هذه القيود تفرضها الدولة أو يفرضها ببساطة العرف الاجتماعي.
لقد أتاح اكتشاف "الحمض النووي (DNA) والشيفرة الجينية" في ستينيات القرن العشرين تفسيرا بيولوجيا للصفات الجسدية والسلوكية الموروثة، وهو التفسير الذي كان مفقودا حتى ذلك الحين.
وبالنظر إلى ذلك، وإلى انتشار الإيمان بوجود طبيعة بشرية، قد يبدو مفاجئا أن يظهر رفض واسع لمفهوم الطبيعة البشرية نفسه، بل وأن ينكر مفكرون بارزون بصورة صريحة وجود مثل هذه الطبيعة.
وكان هناك عدد من الأسباب وراء هذا التشكيك، ففي المقام الأول، ومع ازدياد المعرفة بعلم الوراثة، أصبح من الواضح أن "ميراثنا الجيني يتفاعل مع بيئتنا الاجتماعية والمادية بطرق شديدة التعقيد".
فالبشر ليسوا مبرمجين بصورة آلية على التصرف بطرق محددة، كما هو الحال لدى بعض أنواع الحيوانات.
وقد تكون بعض القدرات متجذرة في الجينوم البشري، لكن تطورها يمكن أن يتوسع أو يتعزز، أو، على العكس، يمكن أن يُقيّد، تبعا للطريقة التي ينشأ بها الفرد ولكيفية تفاعله مع المجتمع.
واكتشف علماء الوراثة أن بعض الجينات لا يتم التعبير عنها إلا استجابة لإشارات بيئية محددة.
ولذلك، كان من الصعب أحيانا تحديد القدرات البشرية الأساسية التي توجد "«بحكم الطبيعة»".
ونحن نعرف اليوم عن الطبيعة البشرية أكثر بكثير مما كان معروفا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ليس نتيجة للتقدم في علم الأحياء فحسب، وإنما أيضا بفضل الأبحاث التي جاءت من "علم الآثار، والأنثروبولوجيا المقارنة، بل وعلم الرئيسيات".
ومن منظور الحاضر، يمكن القول بأمان إن السردية الليبرالية في العصر الحديث المبكر بشأن "حالة الطبيعة" كانت خاطئة في عدة جوانب وقد عرضت أدلة على ذلك في المجلد الأول من سلسلة كتبي "«النظام السياسي»".
فالبشر "كائنات اجتماعية بطبيعتهم"، لكن اجتماعيتهم تتخذ أشكالا معينة ومميزة.
وتفترض نظرية عالم الأحياء "ويليام هاميلتون" بشأن "اللياقة الشاملة" أن البشر — بل ليس البشر وحدهم، وإنما معظم الأنواع التي تتكاثر جنسيا — يميلون إلى الإيثار بما يتناسب مع عدد الجينات التي يشتركون فيها مع أقاربهم.
كما أن لديهم ميلا قويا نحو "الإيثار المتبادل"؛ أي تبادل الخدمات أو المنافع مع الزملاء المقربين.
وهذا يعني أن الشكل الأكثر شيوعا للحياة الاجتماعية يتمثل في العيش داخل جماعة صغيرة من الأصدقاء وأفراد الأسرة، وهو ما يعني بدوره أن "الأبوية السياسية" — أي حكم الأصدقاء وأفراد الأسرة — متجذرة بعمق في الطبيعة البشرية.
وعلى النقيض من ذلك، فإن نوع السلطة غير الشخصية الذي تتطلبه الدولة الحديثة، حيث يتم اختيار المسؤولين على أساس "الجدارة والكفاءة"، لا يأتي بصورة طبيعية إلى الفاعلين السياسيين.
ولهذا السبب، تمثل "«إعادة الأبوية السياسية»" تهديدا دائما في الأنظمة السياسية الحديثة.
ونرى ذلك اليوم في مساعي "دونالد ترامب" إلى تقويض جهاز بيروقراطي قائم على الجدارة، والاعتماد بدلا من ذلك على دائرة ضيقة من الأصدقاء وأفراد الأسرة الذين يثق بهم.
لكن هذا النوع من "الاجتماعية على نطاق صغير" لا يستنفد قدرة الإنسان على الانتماء إلى الجماعة، فقد تكون للبشر مصالح فردية، لكنهم أيضا، بحكم طبيعتهم، كائنات "تتبع القواعد" وتنفر من الخروج عن القواعد التي يضعها أقرانهم.
وقد شكل استعداد الأفراد للامتثال للقواعد التي تضعها التسلسلات الهرمية الكبرى أساس سلطة الدولة منذ اختراع أولى الدول، قبل نحو ستة إلى ثمانية آلاف عام.
وتفسر نزعة اتباع القواعد لماذا يكون رجال الشرطة مستعدين لتنفيذ أوامر ظالمة بشكل واضح ضد مواطنيهم، أو لماذا ذهب ملايين الجنود إلى حتفهم في ساحات المعارك.
وقد قاد اعتقاد توماس هوبز بالمصلحة الذاتية العقلانية إلى القول إن الجنود ينبغي، منطقيا، أن يفروا من مواقعهم بدلا من المخاطرة بحياتهم في قتال الأعداء، ومع ذلك كانت "الطاعة"، عبر القرون، سمة أكثر تميزا للمنظمات العسكرية من الفرار من الخدمة.
وتشير بيانات أكثر حداثة أيضا إلى أن هوبز ربما كان أقرب إلى الحقيقة من روسو فيما يتعلق "بميول الشعوب القديمة إلى العنف".
فإن افتراض روسو بشأن "«الخير الطبيعي للإنسان»" يتناقض، للأسف، مع قدر كبير من الأدلة التجريبية: إذ تسجل العديد من مجتمعات الصيد وجمع الثمار معدلات قتل أعلى من تلك المسجلة في المدن الأمريكية المعاصرة، كما تمتد أدلة الحروب الدامية إلى الوراء في السجل الأثري بقدر ما يمكننا تتبعها.
والبشر كائنات اجتماعية بطبيعتهم، لكن اجتماعيتهم غالبا ما تكون مدفوعة بالحاجة إلى "تنظيم العنف".
ويبدو أن الحفاظ على البيئة ينشأ بدرجة أكبر من "غياب القدرة التكنولوجية"، وليس من النية أو القصد.
فقد جرى القضاء على معظم "الحيوانات الضخمة" في العالم إلى حد كبير بعد دخول البشر المعاصرين إلى المناطق التي كانت تلك الحيوانات موجودة فيها.
إذن، "الطبيعة البشرية موجودة"، وهي قوة مؤثرة في تشكيل السياسة وفي أفكارنا حول الحقوق، فلماذا، إذن، تواجه كل هذه المقاومة؟
إن الأسباب "أخلاقية وسياسية"، وغالبا ما تكون نتاجا لسوء فهم الطبيعة البشرية.
وعلى مر السنين، كان السؤال حول ما هو "بيولوجي" وما هو "بيئي" مصدرا لجدل سياسي هائل.
وبصورة عامة، مال المحافظون إلى الانحياز إلى جانب البيولوجيا، في حين جادل التقدميون بأن السلوك يتشكل بدرجة كبيرة بفعل البيئة المحيطة — أي أن السلوك "«بناء اجتماعي»".
وعلى مدى القرون، اعتقد المحافظون أن الأمم تقوم على العرق والأصل المشترك؛ وأن هناك "تراتبية عرقية" تبرر العبودية في الداخل، وهيمنة أوروبا الاستعمارية على جزء كبير من بقية العالم؛ وأن النساء لا يمتلكن القدرة العقلية أو الاستقرار العاطفي الذي يؤهلهن لدخول سوق العمل أو التصويت أو تولي أدوار قيادية سياسية.
ومن الآمن القول إن هذه الاستخدامات السياسية للبيولوجيا، وغيرها، كانت "رهانات خاسرة".
وكانت بعض التحولات في الفهم ناتجة ببساطة عن أبحاث علمية تجريبية معيبة.
ومن الحالات الشهيرة على ذلك حالة عالم الأنثروبولوجيا "فرانز بواس" في عشرينيات القرن العشرين، وهو أحد مؤسسي الأنثروبولوجيا الثقافية الحديثة.
فبعد نشر كتاب "تشارلز داروين «في أصل الأنواع»"، ظهرت مدرسة من "«العنصرية العلمية»"، جادلت، من بين أمور أخرى، بأن أعراق العالم تختلف في متوسط مستوى الذكاء، وأن الأوروبيين البيض المنحدرين من شمال أوروبا كانوا في قمة هذا الترتيب.
وفي عشرينيات القرن العشرين، جادل المحافظون لصالح فرض قيود على الهجرة، على أساس أن الجماعات التي كانت تدخل الولايات المتحدة خلال موجة الهجرة الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين — الإيطاليين واليهود والبولنديين وغيرهم من الأوروبيين الشرقيين — كانت أقل ذكاء من المجموعة الإثنية التي كانت مهيمنة آنذاك في الولايات المتحدة.
وكان هذا الطرح يستند إلى "قياسات لأحجام الرؤوس" أجراها الجيش الأمريكي أثناء تجنيد الجنود للقتال في أوروبا.
وأجرى بواس دراسة متابعة أظهرت أن أحجام رؤوس أبناء المهاجرين "تتقارب مع أحجام رؤوس الأوروبيين الشماليين عندما يتغذون على النظام الغذائي الأمريكي".
وأظهرت دراسات لاحقة لما يسمى "«تأثير فلين» (Flynn Effect)" أن متوسط درجات الذكاء (IQ) كان يرتفع بمرور الوقت لدى مجموعات سكانية في مختلف أنحاء العالم، نتيجة تحسن النظام الغذائي والتغذية.
عادت الخلافات حول دور البيولوجيا بقوة كبيرة مع صعود "الحركة النسوية" في ستينيات القرن العشرين، فقد وقف كثير من النسويات بقوة إلى جانب نظرية "البناء الاجتماعي"، مجادلات بأن الفروق الظاهرة بين الرجال والنساء، سواء في السلوك أو في النتائج الاجتماعية، تعود حصرا إلى الطريقة التي تتم بها تربية الفتيات مقارنة بالفتيان.
وكان لا بد من تحرير النساء من الأعراف الاجتماعية التي جعلت من الصعب عليهن، على سبيل المثال، دخول مجموعة متنوعة من المهن، بدءا من قيادة الشاحنات وقيادة الطائرات، وصولا إلى الخدمة في الشرطة والقوات المسلحة.
بين الرجال والنساء
لكن في حين جرى، بصورة متواصلة، دحض الحجج البيولوجية المتعلقة بما تستطيع الفتيات والنساء فعله أو لا تستطعن فعله، بقيت هناك مجموعة أساسية من الفروق بين الرجال والنساء لا يمكن تجاوزها.
فالرجال والنساء يختلفون بوضوح في ما يتعلق بالخصائص الجسدية، بطرق تتجاوز مجرد اختلاف أعضائهم التناسلية.
فالطول، وقوة الجزء العلوي من الجسم، وطول العمر، وخصائص أخرى، قد تتوزع بصورة طبيعية لدى كلا الجنسين، وسيكون هناك أفراد يقع أداؤهم في أطراف هذه التوزيعات ويتفوقون على الغالبية العظمى من أفراد الجنس الآخر.
لكن "القيم الوسيطة لهذه التوزيعات تختلف بين الجنسين".
ولهذا، ورغم أن امرأة بعينها قد تكون أقوى أو أطول من رجل بعينه، فإن خصائص الجنسين لن تكون متماثلة عند النظر إليهما "بصورة إجمالية".
وهذا هو السبب في أن الرياضات الرجالية والنسائية لا تزال منفصلة حتى يومنا هذا.
ومن المرجح جدا أن تمتد هذه الاختلافات أيضا إلى "الخصائص النفسية".
ففي ثمانينيات القرن العشرين، بدأ علماء النفس التطوري يجادلون بأن استراتيجيات التكاثر لدى الرجال والنساء تختلف، ليس بين البشر فحسب، وإنما لدى العديد من الأنواع التي تتكاثر جنسيا.
وكان الرجال يميلون إلى تعدد العلاقات الجنسية أكثر من النساء، لأن ذلك كان، بحسب هذا الطرح، استراتيجيتهم المثلى لنقل جيناتهم إلى الجيل التالي؛ أما النساء، في المقابل، فكن يحتجن إلى بيئات أسرية مستقرة يتمكن فيها أطفالهن من النمو حتى بلوغ سن الرشد.
كما أن النساء في مرحلة المراهقة أقل ميلا إلى المخاطرة، وهو ما يفسر، بحسب هذا الطرح، لماذا ترتكب الغالبية العظمى من الجرائم على يد "شبان صغار السن" في ثقافات مختلفة حول العالم.
ولم تلق فكرة أن أي سمة سلوكية يمكن تفسيرها بيولوجيا قبولا لدى كثير من النسويات.
وكان عالم الأحياء الاجتماعي "إدوارد أو. ويلسون"، الذي جادل بأن الفروق بين الجنسين متجذرة في البيولوجيا، قد تعرض في أحد المؤتمرات لإلقاء إبريق من الماء على رأسه من قبل ناشط هتف قائلا: "«أنتم جميعا مخطئون تماما!»"
وهناك سبب آخر، أكثر جوهرية، يجعل الليبراليين التقدميين يقاومون الاعتراف بأهمية البيولوجيا البشرية: فهي تمثل "قيدا غير مقبول على الاستقلالية الإنسانية".
ففي صميم الليبرالية الحديثة يوجد تأكيد على "المساواة في الكرامة الإنسانية"، يقوم على افتراض وجود قدرة بشرية عالمية على الاختيار.
وقد يختلف البشر في الذكاء والقوة ولون البشرة والجنس، لكنهم جميعا يُنظر إليهم باعتبارهم "ذواتا أخلاقية" تمتلك القدرة والحق في اتخاذ قرارات بشأن حياتها الخاصة — من حقوق التعبير والاعتقاد وتكوين الجمعيات وغيرها.
وقد اعتُبرت حماية هذه الاستقلالية "جوهر المجتمع الليبرالي من الناحية الأخلاقية".
وفي أوروبا خلال بدايات العصر الحديث، كان مفهوم الاستقلالية يُفهم باعتباره حق الإنسان في اتخاذ الخيارات ضمن إطار أخلاقي قائم مسبقا، تحدده التقاليد الدينية.
ولذلك كانت "حرية المعتقد الديني" واحدة من القيم الأساسية التي تحميها الحقوق، كما هو الحال في التعديل الأول للدستور الأمريكي.
لكن مع مرور الوقت، اتسع نطاق الاستقلالية بلا هوادة، ليشمل القدرة ليس فقط على اتخاذ الخيارات ضمن إطار أخلاقي تحدده تقاليد دينية قائمة، وإنما أيضا "اختيار الإطار الأخلاقي نفسه، بل وحتى ابتكار قواعد أخلاقية خاصة بالفرد".
ولا يتجلى هذا الأمر في أي مجال بصورة أوضح مما يتجلى في "الجنس والنوع الاجتماعي والحياة الأسرية".
فقد شرّعت دول عديدة الإجهاض، ويُقدّم ذلك عادة باعتباره وسيلة لحماية "استقلالية المرأة في التحكم بجسدها".
لكن الحد الأقصى المعاصر لإنكار أهمية البيولوجيا يتمثل في "حركة المتحولين جنسيا المعاصرة".
ويؤكد ناشطون في مجال التحول الجنسي، بدعم من جزء كبير من المؤسسة الطبية، أن "النوع الاجتماعي منفصل تماما عن الجنس البيولوجي"؛ أي عن الكروموسومات XX أو XY لدى الإنسان. وبدلا من ذلك، يرون أنه مسألة اختيار فردي، تماما كما يمكن للمرء أن يختار اسما جديدا أو مكانا جديدا للعيش.
وهم لا يريدون أن يقال لهم إن "تركيبتهم الجينية الموروثة سيكون لها تأثير قوي في هويتهم الجندرية".
وأصبح الاعتقاد بوجود علاقة قوية كامنة بين الجنس البيولوجي والهوية الجندرية واحدا من تلك الأفكار "المحظورة" في بعض الأوساط الليبرالية خلال العقدين الثاني والثالث من القرن الحادي والعشرين، وهي محظورية جرى فرضها، بحسب الكاتب، بصورة صارمة من جانب ناشطي المتحولين جنسيا.
غير أن هذه الفكرة ليست، في رأيه، فكرة ذات قدر كبير من المعقولية.
فليس من المنطقي الاعتقاد بأن البشر كانوا يختارون هوياتهم الجندرية على مر القرون نتيجة للضغوط الاجتماعية وحدها؛ إذ إن "ارتباط البشر بجنسهم البيولوجي" يمثل شرطا أساسيا لحدوث التكاثر والحياة الأسرية.
ومن شأن ذلك أن يقوض نظرية داروين في "الانتخاب الطبيعي"، ناهيك عن نظريته بأكملها في "الانتخاب الجنسي"، التي تنهار بدورها في ظل هذه الظروف.
وقد كان هناك دائما عدد صغير من الأفراد الذين لم يكونوا راضين عن هوياتهم الجندرية، وفي المجتمع الليبرالي ينبغي احترام اختياراتهم.
لكن لا يمكن بناء "حق سياسي" على أساس سمة قد تكون طبيعية أو قد لا تكون كذلك، ولا يشترك فيها سوى أقلية صغيرة من البشر.
التكنولوجيا ووهم تجاوز الطبيعة البشرية
تعد التكنولوجيا بالتخلص من قيود الطبيعة البشرية، لكن هذا "وعد زائف".
وأعتقد أننا ندخل هنا منطقة خطرة.
فالبشر ليسوا إرادات مجردة بلا أجساد، تحلق في الفضاء ويمكنها أن تختار الهبوط في أي هيئة أو شكل تشاء.
إن تجربتنا الإنسانية، وبالتالي الغايات والخيرات التي نسعى إليها، تشكلت بعمق بفعل "أجسادنا المادية"، وبفعل ما تنطوي عليه من قدرات وحدود.
ولهذا كتبت كتابي الصادر عام 2002، "«مستقبلنا ما بعد البشري: عواقب ثورة التكنولوجيا الحيوية»".
فقد استخدم البشر التكنولوجيا بصورة متواصلة عبر التاريخ لتعزيز قدراتهم الجسدية والعقلية.
ونحن اليوم أسرع وأقوى، ونرى بصورة أفضل، ونسافر لمسافات أبعد، ونعيش لفترات أطول، بفضل تقنيات تبدأ من "النظارات الطبية والسيارات وصولا إلى اللقاحات".
كما أصبحت التكنولوجيا الطبية الحيوية قادرة بالفعل على التأثير في السلوك والنتائج من خلال الجراحة والأدوية وغيرها من التدخلات.
وقد أنفق العديد من "أثرياء وادي السيليكون" أموالا طائلة على تقنيات تهدف إلى إطالة العمر.
أما ظهور "الهندسة الوراثية"، الذي أصبح ممكنا بفضل تقنيات مثل "CRISPR-Cas9"، فيعد بإحداث تغييرات أكثر جوهرية في تلك القدرات الأساسية، وهي تغييرات قد تؤدي يوما ما إلى تغيير فهمنا للحقوق السياسية.
فهل نريد حقا أن نكون قادرين على "تغيير طبيعتنا الأساسية بحرية"، بحيث نجعل البشر أكثر أو أقل عدوانية، وأكثر أو أقل تعاطفا، وأكثر ذكاء، أو أكثر خضوعا؟
قد لا نحب نزعة البشر إلى المخاطرة والعنف، لكن ما العواقب غير المتوقعة التي قد تترتب على محاولة "استئصال هذه النزعة من الجنس البشري"؟
ومن الذي سيمتلك السلطة لاتخاذ هذه القرارات، وهي قرارات لن تؤثر فقط في الأشخاص الذين يعيشون في الجيل الحالي، وإنما في "جميع ذريتهم من بعدهم"؟
وهل ستُمارس هذه السلطات من قبل "النخب الثرية"، التي يمكنها عندئذ أن تمنح ذريتها أفضلية في المنافسة الاجتماعية خلال القرون القادمة؟
وثمة مسألة أخرى تتمثل في أن "الاستقلالية"، رغم كونها خيرا إنسانيا، ليست الخير الإنساني الوحيد الذي يتفوق على جميع الغايات الأخرى التي يختارها الناس.
فجزء من التجربة الإنسانية يكمن في "التكيف مع القيود والتعامل معها"، سواء كانت تلك القيود تنطبق علينا كأفراد، أو كانت من الحقائق التي تنطبق على البشر باعتبارهم نوعا من الأنواع.
بل إن هذه القيود تحديدا هي التي تربطنا داخل "المجتمعات".
فكثير من الناس يريدون، عن قصد، أن يعيشوا ضمن تقليد ديني أو ثقافي يربطهم بالجماعة، حتى وإن كان هذا التقليد يحد من حريتهم في الاختيار الفردي.
وكما قال الشاعر اللاتيني "هوراس":"«يمكنك أن تطرد الطبيعة بمذراة، لكنها ستعود دائما راكضة.»"
لن نصبح آلهة أبدا، وقد لا نتعلم هذا الدرس إلا عندما نقترب من بلوغ "مئتي عام من العمر"، ونحن نمتلك قدرات متراجعة لا تتجاوز قدرات أطفال في الخامسة من العمر.
"ملاحظة من الناشر:"
يسعدنا أن نطلق مجلة "Persona" بهذا المقتطف من مذكرات فرانسيس فوكوياما، "في مملكة الإنسان الأخير"، الصادرة هذا الأسبوع عن دار "Farrar, Straus & Giroux"، فوكوياما واحد من أهم مفكرينا، وهنا يتجه مباشرة إلى صميم واحد من أكثر أسئلتنا إلحاحا: ما هو الإنسان؟ هل لدينا طبيعة بشرية؟ هل هناك شيء متأصل فينا ولا يمكن محوه أو تجاوزه؟ أم أننا قابلون للتشكيل بلا حدود، وقابلون للتغيير، وقادرون على أن نُلغى، ثم نُعاد صياغتنا أو خلقنا من جديد أو نتحول بإرادتنا؟
إن عصرنا التكنولوجي الجديد يتطلب عمقا فلسفيا، وحجاجا قويا، وخيالا جريئا. ونحن متحمسون لمشاركة المزيد معكم خلال الأشهر المقبلة. لا تفوّتوا ذلك! اشتركوا الآن.
— "صامويل كيمبريل"