*نوزاد المهندس
الحرب الأهلية في اليمن، والتي اندلعت شرارتها منذ أكثر من عقد من الزمان، قد استحالت إلى أزمة ساخنة وتأثير حرج في بقعة استراتيجية من العالم والشرق الأوسط. لقد ألقت هذه الحرب بظلالها الثقيلة على بلاد خاضت مخاضاتٍ عسيرة من النزاعات الداخلية والصراعات المتواصلة؛ بلدٍ كان بطبعه يعاني الفقر وشح الموارد والتأخر، فزادته الحرب ضغثا على إبالة ودفعت به نحو أعمق مستويات الإنهاك والتدهور.
ولاسيما بعد بزوغ نجم حركة الحوثيين الشيعية المقربة من إيران، ومشاركتهم الفاعلة ضمن ما يُعرف بـ "محور المقاومة"، واستحواذهم على مقاليد السلطة والنفوذ في قطاعات واسعة ومفصلية من اليمن. حتى أضحوا اليوم قوة لا يُستهان بها، تناهئ نفوذ السعودية وإسرائيل والقوات الأمريكية والتحالف الدولي، فرضوا أنفسهم كأمر واقع (De facto) لا مناص من التعامل معه؛ لا سيما بعد إحكام سيطرتهم على العاصمة صنعاء، وتمددهم الراهن صوب السواحل الحيوية للبحر الأحمر، والموانئ الاستراتيجية كميناء المخا، وصولا إلى مضيق باب المندب الذي يمثل شريانا عالميا وشديد الحساسية للتجارة والطاقة الدولية.
وفي سياق هذه التطورات العسكرية الأخيرة، يمكننا قراءة الآفاق والمآلات التي تتجه إليها هذه الحرب؛ بيد أن أي قراءة تتجاهل العوامل التاريخية، والتشرذم الداخلي، والتعقيدات الجيوسياسية، ستظل قراءة قاصرة تعوزها الدقة والصواب.
إن الحرب الأهلية اليمنية(( التي اندلعت فعليا عام 2014 وبلغت ذروة تحولها الدولي عام 2015)) تُعد واحدة من أشد الأزمات السياسية والإنسانية تعقيدا وإيلاما في القرن الحادي والعشرين. فهذا الصراع ليس مجرد نزاع بسيط علي السلطة، بل هو نتاج تداخل معقد بين أزمات بنيوية في هيكل الدولة، وتجاذبات مذهبية وقبلية، فضلا عن ارتهان امتداداته بالمعادلات الإقليمية والدولية.
الخلفية والعناصر البنيوية للأزمة
إن فهم كنه الحرب الحالية في اليمن يغدو مستحيلا دون تفكيك البنية التحتية للدولة والمجتمع اليمني:
*الانقسام التاريخي والجغرافي: تميز اليمن بتمايزات ثقافية وسياسية عميقة بين شماله (الذي يستند إلى نظام الإمامة الزيدية القديم) وجنوبه (بإرثه اليساري ودولته المستقلة قبل عام 1990). ولم تؤدِ إعادة التوحيد عام 1990 برئاسة علي عبد الله صالح إلي بناء دولة المؤسسات الحديثة، بل كرست نظاما ريعيا قبليا أفضى إلى تهميش الأطراف والمناطق الجنوبية.
*انهيار الانتقال السياسي (2011-2014): أعقب انتفاضات الربيع العربي عام 2011 وتنحي علي عبد الله صالح انطلاقُ مؤتمر الحوار الوطني (National Dialogue Conference). غير أن فشل هذه العملية في الاستجابة لمطالب الحوثيين في الشمال و"الحراك الجنوبي" في الجنوب، مهد الأرضية للجوء إلي الخيار العسكري.
الفاعلون المحليون وخارطة الصراع المعقدة
تتشابك على الأرض أهداف وأجندات متضاربة لفاعلين متعددين:
*حركة أنصار الله (الحوثيون): انطلقوا من صعدة مستندين إلى الفقه الزيدي، واستغلوا حالة الاحتقان الاقتصادي وضعف السلطة المركزية للسيطرة على العاصمة صنعاء عام 2014. يتبنى الحوثيون خطابا مناهضا للغرب وإسرائيل، ويصنفون أنفسهم كجزء أصيل من "محور المقاومة".
*الحكومة المعترف بها دوليا (الرئاسة والمجلس العسكري): تحظى بدعم المملكة العربية السعودية والمجتمع الدولي، غير أنها تعاني من الانقسام الداخلي والهشاشة المؤسسية.
*المجلس الانتقالي الجنوبي (STC): حركة علمانية-قومية جنوبية تطالب بالانفصال واستعادة دولة اليمن الجنوبي، وتحظى بدعم مباشر من دولة الإمارات العربية المتحدة.
*الجماعات الإسلامية الراديكالية: تتمثل في تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية (AQAP) وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، اللذين استغلا الفراغ الأمني والفوضي السياسية لتوسيع نفوذهما في المناطق الصحراوية.
الأبعاد الإقليمية والدولية
سرعان ما تحولت الحرب اليمنية إلى حرب بالإنابة (Proxy War) بين الأقطاب الإقليمية:
*السعودية والتحالف العربي: أطلقت عمليات "عاصفة الحزم" في مارس 2015 لكبح التمدد الإيراني على حدودها الجنوبية وإعادة الشرعية.
*الجمهورية الإسلامية الإيرانية: تقدم الدعم اللوجستي والعسكري والتكنولوجي (الطائرات المسيرة والصواريخ باليستية) للحوثيين لممارسة الضغط علي غرمائها الإقليميين.
*الإمارات العربية المتحدة: تركز اهتمامها علي إحكام السيطرة علي الشريط الساحلي والموانئ الاستراتيجية (كعدن وسقطري) وبناء قوات تمكين جنوبية.
*القوي الغربية (الولايات المتحدة وبريطانيا): قدمت دعما أمنيا للسعودية، لكنها اتجهت لاحقا نحو انخراط وخطاب أكثر مباشرة إثر الأزمة الإنسانية والهجمات الحوثية على الملاحة في البحر الأحمر.
التداعيات الإنسانية وبنية التحتية
أسفرت هذه الحرب الضروس عن تبعات كارثية على الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية:
* الانهيار الاقتصادي: تهاوي قيمة العملة الوطنية، وتوقف إنتاج النفط والغاز، وتفكك القطاع المصرفي.
*الأزمة الإنسانية: صنفت الأمم المتحدة الأزمة اليمنية كإحدي أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، حيث يعاني الملايين من المجاعة، البطالة، وانتشار الأمراض السارية كالكوليرا.
*دمار البنية التحتية: تعرضت المدارس، المستشفيات، شبكات الصرف الصحي والكهرباء لدمار واسع النطاق.
آفاق المستقبل وضيق فرص السلام
أدى اتفاق مارس 2023 بين السعودية وإيران برعاية صينية إلى تهدئة نسبية ولهدنة غير معلنة بين الرياض وصنعاء. بيد أن العقبات البنيوية أمام السلام الشامل لا تزال قائمة:
*تعقيد معادلة البحر الأحمر: إن انخراط الحوثيين في الصراعات الإقليمية واستهداف الملاحة الدولية ربطا استقرار اليمن مجددا بالأمن القومي العالمي.
*التشرذم الداخلي: حتي في حال التوصل إلي اتفاق بين السعودية والحوثيين، فإن القضية الجنوبية وتوزيع السلطة داخل اليمن يظلان ملفين مفتوحين علي معضلات معقدة.
ومن الجلي أن الأسبوع الحالي شهد تصاعدا ميدانيا حادا؛ حيث أسطاع الحوثيون السيطرة علي ميناء المخا، ولم تعد تفصلهم سوي مسافة تتراوح بين 70 إلي 80 كيلومترا عن مضيق باب المندب. وفي ظل هذه المستجدات، يتجه مصير اليمن نحو نفق أكثر ظلاما.
إن السيطرة على ميناء المخا الاستراتيجي والمناطق المحيطة به من قبل الحوثيين، واقترابهم من ((مضيق باب المندب))، يمثلان منعطفا عسكريا وجيوسياسيا بالغ الخطورة في مسار الحرب اليمنية. هذه التطورات إعادة رسم معادلة القوة على الأرض وتلقي بظلالها المباشرة على الأمن الدولي.
التحولات في أهداف ومحاور الصراع
*تغيير المعادلة العسكرية لصالح الحوثيين:
إن السيطرة على المخا تضع مساحة شاسعة من الساحل الغربي تحت نفوذ الحوثيين، مما يؤدي إلى مزيد من العزلة لقوات الحكومة في محافظة تعز، ويسلط ضغطا هائلا على قوات الدفاع الوطني في الجنوب.
*لاشيء من المناطق العازلة (Buffer Zone):
كانت مدينة المخا منذ عام 2017 تحت سيطرة قوات مجلس القيادة الرئاسي (ولا سيما قوات طارق صالح)، وكانت تُشكل حائط صد لمنع وصول الحوثيين إلى باب المندب. وإن خسارة هذه المدينة تدفع بالجبهة العسكرية إلى التماس المباشر مع معسكرات ذباب ومشارف باب المندب.
التحولات الجيوسياسية والمخاطر الإقليمية
*السيطرة على الممر الملاحي الدولي:
إن تموضع الحوثيين علي بعد 70 إلي 80 كيلومترا من باب المندب (مع سيطرتهم على جزر مثل زقر وحنيش في البحر الأحمر) يعني الهيمنة الفعلية على أحد أهم الممرات الاقتصادية والنفطية في العالم. ففي هذه المسافة، وبحوزتهم المدفعية بعيدة المدى والطائرات المسيرة والمدفعية الساحلية، يستطيعون إرباك خطوط الملاحة تماما حتى دون الحاجة للصواريخ الباليستية.
*تعزيز موقع محور المقاومة (إيران):
تمنح السيطرة علي المخا الحوثيين وحليفهم الإقليمي (إيران) موقفا تفاوضيا أكثر صلابة، وتضع بأيديهم أوراق ضغط قوية بوجه قرارات التحالف العربي (السعودية والإمارات) والدول الغربية.
المسارات المستقبلية لليمن (إلى أين تتجه البلاد؟)
*تصاعد التدخل الدولي المباشر: إن التهديد المباشر لباب المندب يعزز احتمالات التدخل العسكري الجوي والبحرية من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا، وربما تحالفات بحرية جديدة لحماية المضيق أو استعادته.
*الانهيار التام لعملية السلام والهدنة: هذا التقدم الميداني الكبير يوقف مساعي التسوية السياسية التي شهدت حالة من التهدئة منذ 2023، ويدشن جولة جديدة من الحرب الشاملة.
*الضغط على عدن: في حال تثبيت الحوثيين لمواقعهم في باب المندب، ستكون خطوتهم التالية هي قطع الطرق المؤدية إلي الجنوب والتهديد المباشر لمدينة عدن (العاصمة المؤقتة للحكومة الشرعية).
*عمليات مضادة للتحالف: من المرجح جدا أن تشن السعودية وقوات التحالف، بالتنسيق مع القوات الجنوبية، هجوما مضادا سريعا (Counter-offensive) لإعادة السيطرة على المخا وتحييد المناورة الحوثية على المضيق.
تؤدي هذه المستجدات إلى الزج باليمن مجددا في أتون حرب بالإنابة أكثر ضراوة وتعقيدا، يصبح فيها أمن الملاحة الدولية والبحر الأحمر الميدان الرئيسي لحسم الصراعات.
وهنا يطرح السؤال نفسه: ألا يتحول مضيق باب المندب إلى معضلة عالمية للطاقة والتجارة تشابه، بل تفوق، ما أحدثه مضيق هرمز؟
بلا ريب، يمتلك مضيق باب المندب((على غرار مضيق هرمز (بل وبأبعاد تتجاوزه في بعض جوانب التجارة الدولية)) القدرة والتأثير لإشعال أزمة عالمية عارمة تمس قطاعات الطاقة والتجارة والأمن الدولي.
ورغم أن مضيق هرمز كان يُصنف تاريخيا وإعلاميا كأكثر "النقاط الحاكمة جيوسياسيا" (Geopolitical Chokepoint) خطورة، إلا أن المقارنة المباشرة بين المضيقين توضح أن تعطيل باب المندب يترتب عليه آثار تدميرية علي الاقتصاد العالمي وفق المزايا التالية:
• المقارنة الجيو-اقتصادية بين المضيقين
*الموقع الجغرافي:
*مضيق هرمز: يربط الخليج العربي ببحر عمان والمحيط الهندي.
* مضيق باب المندب: يربط البحر الأحمر وخليج عدن بالمحيط الهندي (وهو البوابة الجنوبية لقناة السويس).
* تجارة النفط والغاز:
*مضيق هرمز: يمر عبره زهاء 20 إلى 21 مليون برميل يوميا (مع تمركز أساسي لنفط الخليج الخام).
*مضيق باب المندب: يمر عبره نحو 6.2 إلى 8.8 مليون برميل يوميا من النفط والمشتقات المكررة.
*التجارة العامة (البضائع والسلع):
*مضيق هرمز: يقتصر غالبا على صادرات وواردات دول الخليج.
* مضيق باب المندب: عماد سلاسل الإمداد العالمية (يمر عبره نحو 12% من إجمالي التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات).
*المسارات البديلة:
*مضيق هرمز: خياراته محدودة للغاية (تقتصر علي خط شرق-غرب السعودي وخط حبشان-الفجيرة الإماراتي).
*مضيق باب المندب: البديل الوحيد هو الالتفاف الطويل حول إفريقيا (طريق رأس الرجاء الصالح).
وهنا يتبادر إلي الذهن: لماذا تؤدي أزمة باب المندب إلي انعكاسات أسرع علي التجارة العالمية؟
تكمن الإجابة في النقاط الشارحة التالية:
*تعطيل قناة السويس: يُعد باب المندب البوابة الجنوبية لقناة السويس؛ وتوقف الملاحة فيه يعني إبطل القيمة التشغيلية للقناة فعليا.
*ارتباك وسلاسل الإمداد العالمية (Supply Chain Crisis): اضطرار السفن التجارية لسلوك طريق رأس الرجاء الصالح يستوجب زيادة في الرحلة تتراوح بين 10 إلي 14 يوما للوصول إلي أوروبا، مما أدى إلى:
* ارتفاع باهظ في تكاليف الوقود وشحن البضائع البحرية (Freight Rates).
* قفزات في أقساط التأمين البحري (Insurance Premiums) على السفن المارة بالبحر الأحمر.
* تراجع كفاءة تشغيل الحاويات في الموانئ العالمية ونشوء موجات تضخم اقتصادي (Inflation).
التأثير المباشر علي تجارة الطاقة
على الرغم من أن مضيق هرمز ينقل كميات أكبر من النفط الخام، فإن باب المندب يظل الشريان الحيوي لنقل:
* النفط الخام من الشرق الأوسط نحو الأسواق الأوروبية والأمريكية.
* الغاز الطبيعي المسال (LNG) القادم من قطر نحو أوروبا.
* المشتقات النفطية المكررة القادمة من أوروبا وروسيا نحو آسيا.
وفي حال خضوع باب المندب للسيطرة المسلحة أو استمراره كمنطقة عمليات حربية، ستواجه سوق الطاقة الأوروبية صدمات سعرية مفاجئة، نظرا للتكلفة الباهظة للبدائل المتاحة.
الفارق الجوهري والحاسم بين الخطرين
*تهديد هرمز: يرتبط غالبا بالمواجهة المباشرة بين الدول الكبري (إيران في مواجهة الولايات المتحدة وحلفاء الخليج).
*تهديد باب المندب: ينبع من فاعلين من غير الدول واستراتيجيات القوة الحرجة غير المتماثلة (Asymmetric Forces). فباستطاعة الحوثيين عبر أسلحة منخفضة التكلفة (كالطائرات المسيرة الانتحارية، الصواريخ المضادة للسفن، والزوارق المفخخة) إلحاق خسائر بمليارات الدولارات وتعطيل الملاحة تماما، مما يجعل احتواء الوضع من قبل القوي الدولية أمرا بالغ الصعوبة.
ختاما
أثبتت الحرب الأهلية اليمنية أنه لا الحلول العسكرية الخارجية قادر على حسم المعادلات، ولا تهميش القوي الاجتماعية والسياسية الفاعلة يمهد الطريق لنيل الاستقرار. إن سبيل الحل يمر حصرا عبر حوار وطني شامل وجاد، يحترم التعددية المناطقية والمذهبية والسياسية لليمن، ويدضع حدا للتدخلات الإقليمية الضارة.
إن السيطرة على باب المندب أو اقتراب التهديدات من تخومه لا يقل خطورة عن أزمات مضيق هرمز؛ فإذا كان هرمز هو "شريان الطاقة العالمي"، فإن باب المندب هو "شريان التجارة والحاويات الدولية". وإن أي اختلال في أمن هذا المضيق يمثل ناقوس خطر لتضخم اقتصادي عالمي، ودافعا لتسريع وتيرة التدخلات العسكرية الدولية بشكل أكثر حسم وإلحاحا.