*عماد أحمد
*ترجمة : نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى
في طفولتي كنت أعيش مع الألعاب؛ كان العالم بالنسبة إلي ساحة واسعة، حيث يمكن لكل شجرة أن تصبح لعبة، ولكل حجر أن يصبح قلعة، ولكل طريق أن يكون بداية قصة جديدة. وفي شبابي عشت مع الأحلام والآمال؛ كان الأفق بعيدا، لكن القلب قريبا، وكنت أعتقد أن كل باب مغلق يمكن فتحه بمفتاح الإرادة. أما الآن، وبعد مرور سنوات، فأنا أعيش مع ذكرياتي؛ أولئك الأصدقاء الذين لا يشيخون ولا يرحلون، وإنما يعودون في كل مرة بوجه مختلف.
لم يكن صمتي علامة على الرضا، ولا دليلا على السكينة؛ بل هو حديث عميق لا تستطيع أذن الكون أن تسمعه. فبعض الأحاديث لم تخلق لكي تقال بالكلمات؛ إنها تظهر خلف ستار عين، أو في زفرة ثقيلة، أو في ارتجاف الأصابع. وصمتي أيضا كتاب مغلق؛ صفحاته ممتلئة بالكلمات، لكن ليس كل شخص قادرا على قراءتها.
الخيال ليس مجرد هروب من الحاضر؛ فالخيال جسر يصل الماضي بالمستقبل. أما أنا فأنا حصيلة ماضي؛ تلك الخريطة التي رسمتها الحياة على روحي بالدموع والابتسامات. كل جرح خط في تلك الخريطة، وكل فرح لون من ألوان تلك الصورة. ولولا الذكريات، لما كان للغيتار لحن يعزفه، ولما كان للخيال سبب يحلق من أجله.
في ليلة من الليالي، وفي منتصف جبل صخري صلب، كان القمر معلقا في السماء كأنه مصباح وحيد. وكان غيتار قديم موضوعا إلى جانب نبع؛ أوتاره ممتلئة بألحان لم تسمع وأغانٍ لم تغن. وكان الماء يجري ببطء بين الصخور، كأنه ذكرى عثرت على طريق العودة إلى القلب.
في تلك اللحظة، بدأ النبع، الذي كان يبدد عتمة الظلام بنور روحه، يتحدث بصوت متناغم مفعم بالأمل:
"يا أصدقاء الكون! لماذا تتصارعون حول البقاء والفناء؟ انظروا إلي؛ لقد تفجرت من جوف هذا الجبل الصلب، ومع ذلك وجدت طريقي بين الصخور. أخرجت ماء يحمل لون الأمل والتجدد. ولم أكتب تاريخ الجبل على الصخور فحسب، بل أحمل إيمانا بالاستمرار؛ لأن الماء لا يحارب الصخور، بل يصنع طريقه بهدوء".
أجابه الغيتار بصوت حزين:
"كنت أنا أيضا شجرة كان الهواء ذات يوم يغني بين أوراقها،والآن تغير جسدي، لكن صوت الغابة لا يزال حيا في أوتاري. كل إصبع يلمسني يوقظ ذكرى قديمة، فالألحان لا تأتي من الأوتار؛ إنها تأتي من تلك الجراح التي تعلمت أن تتحول إلى أصوات".
كان القمر يراقبهما من الأعلى بصمت. فالتفت إليه الغيتار وقال:
"يا مصباح وحدة الكون! أنت في الأعلى تشهد مرور ملايين الخيالات، لكنهم لا يعرفون كم هي ثقيلة وثمينة الأغاني التي لم أغنها. أنت تكتفي بالمراقبة، أما أنا فأرجف وجدان الروح".
أجابه القمر بهدوء:
"لا تظن أن المراقبة تعني دائما انعدام الإحساس، أنا أشهد كل ليلة دموع أولئك الذين يبكون في الظلام، لكنني لا أستطيع أن أمد يدي لمسح دموعهم. نوري حديث صامت؛ قد لا يشفي جرحا، لكنه لا يسمح للطريق أن يضيع في الظلام."
بعد حديث النبع، حل صمت جميل على المكان. بدأ الغيتار يرتجف بهدوء، وزاد القمر من نوره، واختلط الخيال بالذكريات. عندها أدركوا جميعا أن الحياة رقصة مشتركة؛ بين الماضي والمستقبل، والصوت والصمت، والجرح والأمل، بين ذلك النور الذي يهبط من السماء، وذلك النبع الذي يتفجر من أعماق الأرض.
والإنسان أيضا، في هذه الرقصة، يكون مرة طفلا يركض خلف الألعاب، ومرة شابا يمضي وراء أحلامه، ومرة أخرى يقف عند نهاية الطريق ويسند ظهره إلى ذكرياته، لكن ما دامت هناك ذاكرة، فالماضي لا يموت؛ وما دام هناك خيال، فالمستقبل ليس مغلقا؛ وما دام هناك نبع يتفجر من أعماق الصخر، فلن يستطيع أي ظلام أن يكتب الكلمة الأخيرة في حياة الإنسان.
وفي النهاية، همس الخيال في أعماقي بصوت لا يسمع:
"النبع هو مام جلال؛ ذلك المصدر الذي تفجر من قلب صخر التاريخ الصلب، وشق بهدوء طريق الأمل لشعب بكامله ،والغيتار هو كاك آزاد هورامي؛ ذلك الصوت الذي حول الجراح والذكريات إلى أغنيات،أما القمر فهو مولانا الرومي؛ مصباح مضيء على الدوام، معلق في سماء الروح، ومهما كان لا يشفي الجراح، فإنه يدلنا على الطريق في الظلام".
عندها أدركت أن تلك الليلة لم تكن مجرد حوار بين نبع وغيتار وقمر؛ بل كانت لقاء بين السياسة والفن والعرفان: كان مام جلال يصنع الطريق، وكان كاك آزاد هورامي يمنحه الصوت، وكان مولانا يهطل عليه بالنور. وبين هؤلاء الثلاثة، كانت الذكريات تتحول إلى أغنية، والخيال يتحول إلى أمل؛ لأن بعض الأشخاص، حتى بعد رحيلهم، يواصلون الجريان كالنبع، ويعزفون كالغيتار، ويضيئون لنا طريق الظلام كالقمر.