×

  بحوث و دراسات

  فرانسيس فوكوياما: فوكوياما و بداية نهاية التاريخ



صحيفة"الغارديان الاسترالية"/ الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

  

كتبت مقالتي «نهاية التاريخ؟» أثناء إقامتي في منزل والدي زوجتي بمدينة لاس فيغاس خلال شتاء عامي 1988–1989. كنت آنذاك أستعد لإلقاء محاضرة في جامعة شيكاغو، نظمها كل من آلان بلوم وناثان تاركوف ضمن لجنة الفكر الاجتماعي.

كان بلوم معروفا بتشاؤمه الدائم بشأن قدرة الديمقراطيات الليبرالية الغربية على الدفاع عن نفسها، ولذلك حملت سلسلة المحاضرات عنوان «أفول الغرب».

 أخبرته أنني سعيد بالمشاركة، لكنني سأقدم رؤية أكثر تفاؤلا لما يجري في العالم. رحب بالفكرة، وقد ألقيت المحاضرة قبل عام كامل من سقوط جدار برلين.

في ذلك الشتاء، تناولت الغداء مع أوين هاريس، الدبلوماسي الأسترالي السابق الذي أصبح حديثا رئيس تحرير مجلة ذا ناشيونال إنترست، وهي مجلة أسسها إرفينغ كريستول. سألني إن كان لدي ما أقدمه للنشر، فأخبرته عن محاضرتي المقبلة، فوعد بنشر النسخة المكتوبة منها، وهو ما حدث بالفعل في صيف عام 1989.

لم يكن تعبير «نهاية التاريخ» من ابتكاري، بل كان مفهوما محوريا في فلسفة الفيلسوف الألماني غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل. فقد كان هيغل أول فيلسوف يتبنى بصورة صريحة النزعة التاريخية، أي الفكرة القائلة إن الفكر الإنساني والمؤسسات الاجتماعية ليست كيانات ثابتة، بل تتطور عبر الزمن، وإن حقيقة أي فكرة أو ادعاء لا يمكن فهمها إلا في سياق العصر التاريخي الذي ظهرت فيه.

فقد لا نؤمن اليوم بشرعية النظام الملكي المطلق أو العبودية، لكن كانت هناك حقب تاريخية أيد فيها كثير من الناس هذين النظامين. أما إيماننا المعاصر بالديمقراطية والمساواة في الحقوق، فهو دليل على حقيقة وجود «التاريخ» بالمعنى الذي قصده هيغل.

إن فكرة تطور المجتمعات البشرية عبر الزمن لم تتجذر إلا في العصر الحديث، فقد رأى كل من أفلاطون وأرسطو أن الأنظمة السياسية تتعاقب في دورات متكررة، إلا أن هذا التعاقب كان، في نظرهما، مجرد حركة دائرية تعيد إنتاج أشكال الحكم السابقة دون تقدم حقيقي.

أما الفكرة القائلة إن التاريخ يسير في مسار تقدمي، يبدأ من المجتمعات البدائية ويتجه نحو مجتمعات أكثر تعقيدا وتطورا، فقد مهد لها الفيلسوف جان جاك روسو في كتابه «خطاب في أصل التفاوت بين البشر» من خلال مفهوم «قابلية الإنسان للكمال».

ولم يكن وصف روسو لـ «الإنسان في حالة الطبيعة» مجرد تجربة فكرية، كما كان الحال عند توماس هوبز، بل كان محاولة فعلية لوصف السلوك الإنساني استنادا إلى ما كان الأوروبيون يعرفونه آنذاك عن المجتمعات غير الغربية.

كان الأوروبيون على دراية بوجود حضارات متقدمة، مثل الحضارة الإسلامية والحضارة الصينية، غير أن اكتشاف العالم الجديد كشف لهم وجود مجتمعات تختلف فيما يمكن أن نصفه اليوم بمستوى التنمية.

 وقد جاء هيغل ليصوغ هذه الفكرة في إطار فلسفي متكامل، مقدما بنية فكرية تفسر القوى التي تدفع هذا التطور التاريخي.

واليوم، يكاد الجميع يتقبل، ولو بصورة غير واعية، فكرة أن المجتمعات تتطور عبر الزمن في مسار تقدمي، فالمفهوم الهيغلي للتاريخ متجذر في مصطلحات مثل «التنمية» و«التحديث».

ولهذا كرست مؤسسات مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) سابقا، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير (المعروف اختصارا بالبنك الدولي)، جهودها ليس فقط لمساعدة الدول الفقيرة على تحقيق الثراء، بل أيضا لمساعدتها على بناء مؤسسات حديثة تجعل الحياة أكثر استقرارا وأمنا وقابلية للتنبؤ.

كان كارل ماركس أبرز المفكرين الذين تبنوا مفهوم هيغل للتاريخ ثم أعادوا صياغته، فقد رأى هيغل أن التاريخ بلغ ذروته مع نشوء الدولة الليبرالية الحديثة في أعقاب الثورة الفرنسية. أما ماركس فانتقد هذا التصور، واعتبر أن النهاية الحقيقية لمسيرة التطور الإنساني لن تتحقق إلا بقيام اليوتوبيا الشيوعية.

ووفقا لماركس، لن يحدث ذلك إلا بعد أن تنتفض الطبقة العاملة وتطيح بالبرجوازية، لتقيم ديكتاتورية البروليتاريا. وعند هذه المرحلة من "نهاية التاريخ" وفق التصور الماركسي، سيزول الاغتراب الذي فرضه التقسيم الرأسمالي للعمل، وسيصبح الإنسان قادرا – كما كتب ماركس في كتاب «الأيديولوجيا الألمانية» – على أن «يصطاد في الصباح، ويصطاد السمك بعد الظهر، ويرعى الماشية في المساء، ويمارس النقد بعد العشاء»، دون أن يقيد بمهنة واحدة طوال حياته.

أما فهمي الخاص لفلسفة هيغل فلم أستمده مباشرة من كتاباته، بل من خلال تفسير الفيلسوف الروسي الفرنسي ألكسندر كوجيف، أحد أبرز شارحي هيغل في القرن العشرين.

ففي أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، قدم كوجيف في باريس سلسلة محاضرات مؤثرة حول كتاب هيغل «فينومينولوجيا الروح»، حضرها عدد كبير من الأسماء التي أصبحت لاحقا من أعلام الفكر الفرنسي، مثل جورج باتاي، وريمون كينو، وجاك لاكان، وأندريه بريتون، وإريك فايل، وموريس ميرلو-بونتي، وريمون آرون. كما خاض حوارا فلسفيا مطولا مع ليو شتراوس حول الفلسفة والاستبداد، وتعرف كذلك إلى آلان بلوم. وقد جمعت محاضراته لاحقا في كتاب «مقدمة إلى قراءة هيغل».

تبنى كوجيف النزعة التاريخية عند هيغل، لكنه جعل الرغبة في الاعتراف المحرك الأساسي للتقدم التاريخي، فالإنسان، في نظره، لا يسعى فقط إلى الحصول على الموارد المادية كالطعام والملبس والمأوى، بل يتوق أيضا إلى نيل احترام الآخرين واعترافهم بقيمته.

ومن هذا السعي إلى الاعتراف تنشأ الصراعات الدموية في بدايات التاريخ؛ إذ يتنافس الأفراد من أجل الهيمنة، فمن ينتصر يصبح السيد، ومن يهزم يصبح العبد. لكن أيا منهما لا يبلغ الإشباع الكامل لرغبته في الاعتراف؛ فالعبد محروم من ذلك بطبيعة الحال، أما السيد فلا ينال الاعتراف من ندٍ مساوٍ له، بل من عبد يخضع لسلطته، وهو اعتراف يفتقر إلى القيمة الحقيقية.

ويرى كوجيف أن ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات هو استعداده للمخاطرة بحياته من أجل الحصول على الاعتراف، فالكائنات الأخرى مدفوعة بغريزة المحافظة على حياتها أو حياة نسلها، بينما يستطيع الإنسان أن يعرض حياته البيولوجية للخطر من أجل الكرامة والاعتراف الاجتماعي، لا من أجل المكاسب المادية التي قد يجنيها من الانتصار في الحرب.

ومن هذه الزاوية، يقترب تصور كوجيف للإنسان من تصور الفيلسوف إيمانويل كانط، فقد اعتقد كانط أن ما يميز الإنسان هو امتلاكه الإرادة الأخلاقية، أي القدرة على اختيار الخير أو الشر، وهي قدرة لا تخضع في جوهرها لقوانين الفيزياء. ولهذا ينبغي معاملة الإنسان بوصفه غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة لتحقيق غايات أخرى.

لكن، بحسب قراءة كوجيف لهيغل، لا يستطيع السادة تحقيق الاعتراف الحقيقي إلا عندما يدركون أن هذا الاعتراف لا يكتمل إلا من خلال الاعتراف المتبادل والمتساوي بين المواطنين.

أما تفسيري الشخصي لهيغل وكوجيف، فهو أن هذا الاعتراف لا يمكن أن يتحقق إلا داخل الدولة الليبرالية الحديثة، حيث يضمن حكم القانون المساواة بين جميع المواطنين، ويكفل لهم حقوقهم الأساسية. ومن ثم فإن شرعية الدولة الليبرالية واستقرارها لا يعتمدان بالضرورة على توزيع الثروة بصورة متساوية، بل على قدرتها على منح جميع المواطنين اعترافا متساويا، وبذلك تشبع الجانب المتعلق بالكرامة والاعتراف في الطبيعة الإنسانية.

وفي كتابه «مقدمة إلى قراءة هيغل»، طرح كوجيف، على سبيل الاستفزاز الفكري، فكرة أن التاريخ انتهى عام 1806، مع معركة يينا-أورشتدت التي هزم فيها نابليون المملكة البروسية.

وقد يبدو الادعاء بأن التاريخ انتهى في ذلك العام أكثر غرابة من القول إنه انتهى عامي 1989 أو 1991 مع انهيار الشيوعية، خاصة إذا تذكرنا ما أعقب عام 1806 من أحداث كبرى، مثل توحيد إيطاليا وألمانيا، والحرب الأهلية الأمريكية، والاستعمار ثم إنهاء الاستعمار في أجزاء واسعة من العالم، والحربين العالميتين، والمحرقة، والثورات في روسيا والصين وإيران وغيرها.

غير أن كوجيف لم يكن يقصد توقف الأحداث، بل كان يقصد أن الفكرة الأساسية التي ستقود التاريخ أصبحت قد حسمت بالفعل. وقد لخص ذلك بقوله: «إن كل ما حدث منذ ذلك الحين – أي منذ معركة يينا – لم يكن سوى امتداد جغرافي للقوة الثورية العالمية التي جسدتها فرنسا في عهد روبسبير ونابليون. ومن منظور تاريخي حقيقي، لم تؤد الحربان العالميتان وما رافقهما من ثورات كبرى وصغرى إلا إلى إدخال الحضارات المتأخرة في الأطراف ضمن المراحل التاريخية الأكثر تقدما في أوروبا... بل يمكن القول، من زاوية معينة، إن الولايات المتحدة قد بلغت بالفعل المرحلة النهائية من "الشيوعية" التي تحدث عنها ماركس، إذ أصبح أفراد المجتمع اللاطبقي قادرين، عمليا، على الحصول على ما يريدون متى أرادوا، دون الحاجة إلى العمل إلا بالقدر الذي يرغبون فيه.»

وبهزيمة بروسيا عام 1806، حمل نابليون إلى قلب أوروبا القانون النابليوني، الذي مثل الإطار القانوني الحديث المنبثق عن الثورة الفرنسية.

 وقد رسخ هذا القانون المبدأين الأساسيين للنظام الليبرالي الحديث: الحرية والمساواة، أو ما يمكن تسميته المساواة في الحرية.

وبطبيعة الحال، لم تطبق هذه المبادئ تطبيقا كاملا في أي مكان، ففي الوقت الذي كان فيه نابليون يتقدم داخل أوروبا، كانت السلطات الفرنسية في المستعمرات تقمع ثورة العبيد بقيادة توسان لوفرتور في هايتي، كما أن استعمار الجزائر وفيتنام لم يكن قد بدأ بعد.

لكن مغزى كوجيف كان أن مجرد ظهور فكرة الحرية الشاملة جعل انتشارها مسألة وقت لا أكثر، فقد رفع توسان نفسه راية «حقوق الإنسان والمواطن» التي أعلنتها الثورة الفرنسية حديثا. ولهذا، ورغم وجود محاولات عديدة للدفاع عن النظام القديم، فإنها لم تستطع في النهاية وقف زحف فكرة الحرية، ولا فكرة المساواة في الحرية.

ويترتب على هذا الفهم لهيغل وكوجيف أن كثرة الأحداث والتقلبات في السياسة الدولية لا تكفي وحدها لدحض فكرة "نهاية التاريخ"، سواء اعتبر أنها وقعت عام 1789 أو 1806 أو 1989.

فانتشار مبادئ الحرية والمساواة منذ الثورة الفرنسية كان متفاوتا من حيث الزمان والمكان. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بتتابع الأحداث اليومية، بل بعالم الأفكار: هل يوجد نظام فكري بديل يمكن أن تبنى عليه حضارة مختلفة جذريا عن المبادئ التي أرستها الثورة الفرنسية؟ وهل توجد مجتمعات قائمة على تلك المبادئ البديلة تبدو أكثر قدرة على الاستمرار، وأكثر نجاحا في تحقيق تطلعات شعوبها من الديمقراطيات الليبرالية القائمة على مبادئ الحرية والمساواة؟

وهذه، في الواقع، هي المعايير التي يمكن أن تشكل أساسا حقيقيا لدحض مقولة كوجيف بأن التاريخ قد انتهى.

نشر مقال «نهاية التاريخ؟» لأول مرة في مجلة ذا ناشيونال إنترست خلال صيف عام 1989، في وقت كنت قد بدأت فيه عملي نائبا لمدير هيئة تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية تحت إشراف زميلي السابق دينيس روس.

وبعد أشهر قليلة، في 9 نوفمبر 1989، سقط جدار برلين، لتبدأ سلسلة من الأحداث التي انتهت بتفكك الاتحاد السوفيتي بعد عامين. وقد مثل ظهور «أوروبا موحدة وحرة»، كما وصفها الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، أهم حدث جيوسياسي شهدته في حياتي، كما بدا أنه يؤكد الاتجاه التاريخي الذي أشرت إليه في ذلك المقال.

أما اليوم، فإن المشهد الأيديولوجي أصبح أكثر تشتتا بكثير مما كان عليه قبل خمسة وثلاثين عاما، فهناك الآن توافق أوسع بشأن الجانب الديمقراطي من الديمقراطية الليبرالية، مقارنة بالتوافق حول الجانب الليبرالي منها.

ورغم استمرار وجود تفاوتات اجتماعية كبيرة في العديد من المجتمعات، فإن قلة قليلة فقط ما تزال تدعي أن فئة معينة من البشر تمتلك حقا فطريا في حكم الآخرين.

فعلى سبيل المثال، تعد جمهورية الصين الشعبية نظاما استبداديا، لكن الحزب الشيوعي الصيني يبرر احتفاظه بالسلطة بزعم أنه يمثل الشعب، ولذلك تحمل الدولة اسم «جمهورية الصين الشعبية».

وخلال العقود الأخيرة، شهد العالم صعودا للقومية العرقية والقومية الدينية. إلا أن معظم هذه الحركات تمثل، في رأيي، محاولات دفاعية للحفاظ على امتيازات يعتقد أنها مهددة، أكثر من كونها دعوات تقوم على الاعتقاد بأن جماعة بشرية ما متفوقة بطبيعتها على غيرها.

وفي الولايات المتحدة، شهدنا أيضا عودة مقلقة لبعض أشكال العنصرية وكراهية النساء التي ظن كثيرون أنها أصبحت من الماضي. ومع ذلك، لا تبدو الجماعات التي تتبنى مثل هذه الأفكار قادرة على تقويض المبدأ الأساسي الذي أعلنته وثيقة إعلان الاستقلال الأمريكية، وهو أن «جميع البشر خلقوا متساوين».

أما ما تعرض له لهجمات أكثر استمرارا خلال السنوات الأخيرة، فهو الشق الليبرالي من الديمقراطية الليبرالية؛ أي المبدأ القائل بأن سلطة الحكومة يجب أن تكون مقيدة بسيادة القانون وبالضوابط الدستورية التي تمنع تركز السلطة.

وفي الواقع، فإن كثيرا من مظاهر التراجع الديمقراطي التي شهدها العالم خلال العقد الماضي قادتها حركات تزعم أنها تمثل «إرادة الشعب»، وتعتبر أن الشرعية الديمقراطية التي اكتسبتها عبر الانتخابات تمنحها الحق في إزالة القيود الليبرالية المفروضة على سلطة الدولة.

ومن هنا جاء وصف رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لنظامه بأنه «ديمقراطية غير ليبرالية».

ولم يكن التأييد لليبرالية – بخلاف الديمقراطية – يوما محل إجماع واسع أو دائم. وقد أوضحت في كتابي «الليبرالية وسخطها» أن أحد أهم مبررات الليبرالية هو مبرر عملي يتعلق بكيفية إدارة التنوع السياسي داخل المجتمع، أكثر من كونه التزاما فلسفيا عميقا بالمبادئ الليبرالية ذاتها.

فالدفاع عن القيود الليبرالية على سلطة الدولة غالبا ما ينشأ من تجربة المجتمعات مع الحكم الاستبدادي، وما يرافقه عادة من حروب ومعاناة وحرمان. ولذلك، فإن مرور سبعين عاما من السلام النسبي والازدهار قد يؤدي إلى نسيان واسع لما يمكن أن تفضي إليه الأنظمة غير الليبرالية.

ومع ذلك، تثير الليبرالية أيضا إشكالية «الإنسان الأخير»، وهي ليست مشكلة عارضة أو ظرفية، بل قضية كامنة في صميم هذا المذهب نفسه. وهذه المسألة تحتاج إلى نقاش أوسع في مناسبة أخرى.


13/09/2026