*المرصد/فريق الرصد والمتابعة
اختتمت مجموعة بريكس اجتماعات قمتها الثامنة عشرة في نيودلهي وسط واحدة من أكثر المراحل اضطرابا في النظام الدولي، حيث تزامنت القمة مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، والحرب في أوكرانيا، واضطراب أسواق الطاقة والملاحة والتجارة الدولية، فضلا عن استمرار الجدل حول مستقبل النظام الاقتصادي والمالي العالمي.
وجاءت القمة في لحظة لم تعد فيها بريكس مجرد إطار للتنسيق بين عدد من الاقتصادات الصاعدة، بل أصبحت منصة تسعى إلى التعبير عن مصالح الجنوب العالمي والمطالبة بإعادة صياغة قواعد الحوكمة الدولية.
ويشير إعلان نيودلهي إلى أن المجموعة تريد الانتقال من مجرد الاعتراض على النظام القائم إلى بناء أدوات ومؤسسات ومسارات بديلة أو موازية في الاقتصاد والتمويل والتكنولوجيا والتنمية.
وقد اعتمد القادة إعلان نيودلهي بالإجماع، وهو وثيقة واسعة تتناول الحوكمة العالمية والأمن الدولي والتنمية والتعاون الاقتصادي والمالي والتكنولوجيا، وتؤكد الالتزام بالتعددية والتسوية السلمية للنزاعات وتعزيز تمثيل الدول النامية في المؤسسات الدولية.
قمة في ظرف دولي استثنائي
جاء انعقاد القمة في ظل تصاعد الحرب في الشرق الأوسط وما ترتب عليها من مخاطر على أمن الطاقة والملاحة، ولا سيما في منطقة الخليج ومضيق هرمز.
ولذلك احتل الوضع الإقليمي مساحة مهمة في مداولات بريكس، ونجحت الدول الأعضاء، رغم اختلافاتها ومواقفها المتباينة، في اعتماد موقف مشترك يدعو إلى أقصى درجات ضبط النفس، وتجنب الإجراءات التي يمكن أن تؤدي إلى مزيد من التصعيد، واللجوء إلى الحوار والتشاور والدبلوماسية.
وتكتسب هذه الصياغة أهمية خاصة لأن بريكس تضم دولا ذات مواقف متباينة من الصراع، وفي مقدمتها إيران والإمارات، وهو ما جعل التوصل إلى بيان مشترك اختبارا حقيقيا لقدرة المجموعة على إنتاج موقف توافقي في الملفات الجيوسياسية الحساسة. وقد اعتبرت رويترز الاتفاق الإيراني-الإماراتي على البيان المشترك مؤشرا على تقدم دبلوماسي داخل المجموعة.
إعلان نيودلهي.. التهدئة والدبلوماسية في مواجهة التصعيد
أكد إعلان نيودلهي التزام الدول الأعضاء بالتسوية السلمية للنزاعات الدولية من خلال الحوار والتشاور والوسائل الدبلوماسية.
كما دعا إلى الوقاية من النزاعات ومعالجة أسبابها الجذرية، وأكد أهمية الوساطة والدبلوماسية الوقائية ودور المنظمات الإقليمية في منع الأزمات وتسويتها. ويشير الإعلان كذلك إلى القلق من تصاعد الإنفاق العسكري العالمي والمخاطر النووية، والدعوة إلى تعزيز نزع السلاح والحد من التسلح ومنع الانتشار النووي.
وتكشف هذه اللغة عن محاولة بريكس تقديم نفسها كمنصة للحوار وليس فقط كتجمع اقتصادي. فالرسالة الأساسية هي أن تعدد مراكز القوة يجب أن يقترن بتعدد أدوات إدارة الأزمات، وليس بمجرد انتقال المنافسة من قوة كبرى إلى قوة أخرى.
رفض الإجراءات الأحادية والعقوبات
من أبرز الملفات التي حملها إعلان نيودلهي موقفا مشتركا رفض التدابير الجمركية وغير الجمركية الأحادية والعقوبات التي تؤثر في التجارة الدولية وسلاسل الإمداد.
وتأتي هذه النقطة في سياق أوسع من اعتراض بريكس على استخدام الأدوات الاقتصادية كوسيلة للضغط السياسي. وأشارت المادة التي اعتمدت عليها القمة إلى أن الدول الأعضاء ترى أن الإجراءات الأحادية يمكن أن تلحق ضررا مباشرا بحركة التجارة العالمية وسلاسل التوريد.
وهنا تظهر إحدى أهم الرسائل السياسية للقمة: أن بريكس تريد إعادة تعريف قواعد التجارة والتمويل الدوليين بما يقلل قدرة أي دولة منفردة على استخدام النظام المالي والتجاري العالمي كأداة للضغط على الآخرين.
إصلاح النظام الدولي وتمثيل الجنوب العالمي
لم تقتصر المطالب على المجال الاقتصادي، بل امتدت إلى بنية النظام الدولي نفسه.
فإعلان نيودلهي يدعو إلى إصلاح شامل للأمم المتحدة، بما في ذلك مجلس الأمن، وزيادة تمثيل الدول النامية في المؤسسات الدولية، مع التأكيد على ضرورة أن يعكس النظام الدولي الواقع الاقتصادي والسياسي المعاصر.
كما أكد الإعلان دعم تطلعات البرازيل والهند إلى لعب دور أكبر في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهو موقف حظي بدعم روسيا والصين بوصفهما عضوين دائمين في مجلس الأمن.
وهذا يمثل أحد أهم الأبعاد الاستراتيجية لبريكس: الانتقال من المطالبة بإصلاح النظام العالمي إلى محاولة التأثير في عملية إعادة تشكيله.
بريكس والاقتصاد العالمي.. تقليل الاعتماد على الدولار
احتل التعاون المالي والاقتصادي موقعا محوريا في القمة.وأكدت المجموعة مواصلة العمل على آليات الدفع العابرة للحدود، ودراسة قابلية التشغيل البيني بين أنظمة الدفع، وتشجيع تسوية التجارة والاستثمارات بالعملات المحلية.
وتظهر هذه السياسة بوضوح في مشروع BRICS Pay، الذي يهدف إلى تسهيل المدفوعات العابرة للحدود، إلى جانب دراسة الربط بين أنظمة العملات الرقمية للبنوك المركزية.
لكن من المهم التمييز بين "تقليل الاعتماد على الدولار" وبين "إقامة عملة موحدة لبريكس". فالإعلان الرسمي الحالي يركز على المدفوعات العابرة للحدود والعملات المحلية، ولا يعني إنشاء عملة موحدة للمجموعة.
وهذه نقطة مهمة، لأن النقاش السابق حول إنشاء عملة موحدة لبريكس واجه اعتراضات وصعوبات سياسية واقتصادية، بينما يبدو أن التركيز الحالي أكثر واقعية، ويتمثل في بناء شبكة تسويات مالية تقلل الحاجة إلى المرور بالنظام المالي القائم على الدولار.
بنك التنمية الجديد.. من الفكرة إلى الأداة
يمثل بنك التنمية الجديد أحد أبرز الإنجازات المؤسسية للمجموعة.ووفقا للمادة التي أرفقتها، تأسس البنك عام 2015 لتمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية المستدامة في الأسواق الناشئة، ووافق على تمويل 139 مشروعا بقيمة تقارب 43 مليار دولار، مع تعليق المعاملات الجديدة في روسيا نتيجة العقوبات.
وهنا تتضح أهمية المؤسسات المالية لبريكس: فالمجموعة لا تسعى فقط إلى انتقاد المؤسسات المالية الغربية، وإنما تحاول بناء مؤسسات تستطيع تمويل مشاريع التنمية وتوفير بدائل للدول النامية.
أمن الملاحة والطاقة
برز أمن الملاحة باعتباره أحد الملفات الجديدة ذات الأهمية الاستراتيجية فالأزمات التي طالت الملاحة والطاقة دفعت القمة إلى التأكيد على الحفاظ على انسيابية التجارة العالمية واستقرار سلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة.
واقترح رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إنشاء شبكة لبريكس لدعم البحارة وتعزيز سلامة العاملين في القطاع البحري في ظل المخاطر المتزايدة التي تواجه حركة الملاحة.
ويعكس ذلك توسعا في مفهوم الأمن داخل بريكس: فالأمن لم يعد مقتصرا على الصراعات العسكرية، وإنما أصبح يشمل الطاقة، والموانئ، والممرات البحرية، وسلاسل التوريد.
أبرز تصريحات القادة
ناريندرا مودي: بريكس ليست ضد أحد
قدم رئيس الوزراء الهندي رؤية حذرة ومتوازنة لدور المجموعة.وأكد أن بريكس ليست موجهة ضد أي طرف، داعيا إلى انتقال الجنوب العالمي من موقع المتلقي للقواعد إلى موقع المشاركة في صياغتها.وقال إن المجموعة بلغت مرحلة "سن الرشد"، وإن المطلوب هو تحويل التوافق السياسي إلى نتائج ملموسة. كما طرح فكرة شبكة البحارة التابعة لبريكس.
وتعكس مواقف مودي رغبة الهند في الحفاظ على بريكس كمنصة متعددة الأطراف، وليس تحويلها إلى تحالف جيوسياسي صدامي مع الولايات المتحدة والغرب.
شي جين بينغ: بريكس يجب أن تكون صانعة للسلام
دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ المجموعة إلى لعب دور "صانع السلام" في الشرق الأوسط، معتبرا أن الحرب لا تخدم المصالح المشتركة للمجتمع الدولي.
وأكد أن الصين ستعمل مع بقية الدول الأعضاء للاضطلاع بهذا الدور، كما أعلن أن بلاده ستتولى رئاسة بريكس في 2027 وتستضيف القمة التاسعة عشرة.
وتكتسب مشاركة شي أهمية إضافية بسبب لقائه مودي، في أول زيارة له إلى الهند منذ سبع سنوات، وما حملته من محاولة لإدارة الخلافات الصينية-الهندية ضمن إطار استراتيجي طويل الأمد.
فلاديمير بوتين: التعددية القطبية في مواجهة الغرب
ركز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على انتقاد السياسات الغربية، ودافع عن رؤية موسكو لنظام دولي متعدد الأقطاب.كما حذر من نشر قوات أوروبية في أوكرانيا، معتبرا أن ذلك قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع روسيا.
ويكشف الحضور الروسي في القمة عن استمرار استخدام موسكو لبريكس كإطار لتعزيز العلاقات مع القوى غير الغربية، وكمجال سياسي للتأكيد على رفض ما تعتبره هيمنة غربية على النظام الدولي.
مسعود بزشكيان: العقوبات تتجاوز حدود الدول
دافع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن موقف بلاده، مؤكدا أن الضغوط السياسية والاقتصادية والعقوبات التي تستهدف التجارة والطاقة والبنية التحتية والنظام المالي لا تقتصر آثارها على الدولة المستهدفة، بل تمتد إلى الاقتصاد والطاقة العالميين.
وتحمل المشاركة الإيرانية أهمية خاصة لأن طهران أصبحت عضوا في بريكس في مرحلة تتعرض فيها لعقوبات وضغوط اقتصادية واسعة.
لقاء شي ومودي.. ملف داخل القمة لا يقل أهمية عن أعمالها الرسمية
كان لقاء الرئيس الصيني ورئيس الوزراء الهندي من أبرز الأحداث السياسية على هامش القمة.
فالعلاقة بين أكبر دولتين آسيويتين داخل بريكس ظلت محكومة بالتنافس والحذر، خصوصا بعد الاشتباك الحدودي عام 2020.
وأكد شي أن الصين تنظر إلى العلاقات مع الهند من منظور استراتيجي وطويل الأجل، بينما شدد مودي على أهمية السلام والاستقرار على الحدود ومعالجة القضايا العالقة.
ويعني ذلك أن مستقبل بريكس يرتبط أيضا بقدرتها على إدارة التنافس بين الصين والهند؛ فهاتان الدولتان تمثلان ثقلا سكانيا واقتصاديا كبيرا داخل المجموعة، لكنهما لا تنظران دائما إلى النظام الدولي بالطريقة نفسها.
التحدي الإيراني-الإماراتي
شكل وجود إيران والإمارات داخل المجموعة اختبارا مباشرا لقدرة بريكس على العمل الجماعي.
فالبلدان يمتلكان علاقات ومصالح مختلفة مع القوى الدولية والإقليمية، كما أن الحرب والتوترات الإقليمية فرضت عليهما مواقف صعبة.
ومع ذلك، فإن نجاحهما في الانضمام إلى البيان المشترك الذي يدعو إلى ضبط النفس يمثل نقطة مهمة، لأنه يثبت أن بريكس تستطيع في بعض الظروف استخدام التوافق كأداة لمنع الخلافات الثنائية من شل عمل المجموعة.
التحدي الأمريكي والغربي
تنظر الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية إلى توسع بريكس بحذر، خصوصا مع سعي المجموعة إلى تطوير أنظمة مالية ودفع بديلة وتعزيز استخدام العملات المحلية.
وقد سبق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن هدد بفرض رسوم على الدول التي تدعم عملة بديلة للدولار، بينما تراجعت فكرة العملة الموحدة لبريكس لصالح التركيز على أنظمة الدفع والتسويات بالعملات المحلية.
وهكذا، فإن الصراع بين بريكس والنظام الغربي لن يكون بالضرورة صراعا عسكريا أو مواجهة مباشرة، وإنما قد يأخذ شكل منافسة على:
* التجارة العالمية.* أنظمة الدفع.* العملات.* التكنولوجيا.* الطاقة.* التمويل.* النفوذ داخل المؤسسات الدولية.
ماذا حققت القمة فعليا؟
يمكن تلخيص النتائج العملية والسياسية للقمة في ستة مسارات رئيسية:
1. الحفاظ على وحدة المجموعة:":نجحت بريكس في إصدار إعلان مشترك رغم الخلافات بين أعضائها.
2. تثبيت خيار التعددية:"أكدت المجموعة دعمها لنظام دولي متعدد الأقطاب وإصلاح المؤسسات الدولية.
"3. تعزيز التعاون المالي:استمرار العمل على المدفوعات العابرة للحدود والعملات المحلية.
"4. توسيع الدور السياسي:"ظهور بريكس كمنصة تتناول قضايا الحروب والأمن والسلام وليس الاقتصاد فقط.
"5. تعزيز تمثيل الجنوب العالمي:"المطالبة بدور أكبر للدول النامية في المؤسسات الدولية.
"6. التحول من المبادئ إلى التنفيذ:"إعلان نيودلهي يركز بصورة واضحة على ضرورة أن تكون قرارات بريكس عملية وقابلة للتنفيذ، وليس مجرد بيانات سياسية.
الخامس عشر: أبرز التوصيات التي يمكن استخلاصها من القمة
1. تحويل التوافق السياسي إلى مؤسسات عملية:التحدي الأكبر أمام بريكس ليس إصدار البيانات، وإنما تنفيذها. ولذلك تبرز الحاجة إلى آليات واضحة لمتابعة القرارات وقياس تنفيذها.
2. تطوير نظام دفع فعال: نجاح BRICS Pay يتطلب قابلية تشغيل بين الأنظمة الوطنية، وأمانا ماليا ورقميا، وقواعد موحدة تحمي التجارة والاستثمار.
3. عدم تحويل بريكس إلى تحالف صدامي:قد يكون الحفاظ على صيغة بريكس المفتوحة أفضل للمجموعة من تحويلها إلى تحالف موجه ضد الولايات المتحدة أو أوروبا.
4. إدارة الخلافات الداخلية:التوسع سيظل نقطة قوة إذا استطاعت المجموعة إدارة الاختلافات، لكنه يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف إذا أصبح التوافق شرطا يعطل القرارات.
5. تعزيز أمن الطاقة والملاحة:أحداث الخليج ومضيق هرمز أثبتت أن الاقتصاد العالمي شديد الحساسية تجاه اضطراب الممرات البحرية، ولذلك يمكن لبريكس تطوير آليات تعاون في أمن الملاحة والطاقة.
6. إعطاء التنمية أولوية:لكي تحافظ بريكس على جاذبيتها في الجنوب العالمي، ينبغي أن تقترن خطابات إصلاح النظام الدولي بمشاريع ملموسة في البنية التحتية والصحة والطاقة والتكنولوجيا والتنمية.
التحديات أمام المستقبل
رغم الصورة السياسية الإيجابية التي سعت القمة إلى إظهارها، فإن مستقبل بريكس سيبقى مرتبطا بأربعة اختبارات رئيسية:
"أولا: هل تستطيع المجموعة الحفاظ على وحدة القرار رغم اختلاف مصالح أعضائها؟"
"ثانيا: هل تستطيع تحويل BRICS Pay والتعامل بالعملات المحلية إلى أدوات مالية واسعة وفعالة؟"
"ثالثا: هل يمكن أن تصبح بريكس وسيطا حقيقيا في الأزمات الدولية، أم ستبقى منصة لإصدار المواقف؟"
"رابعا: هل تستطيع المجموعة بناء نظام اقتصادي أكثر استقلالا دون الدخول في مواجهة مباشرة مع النظام الغربي؟"
هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت بريكس ستبقى مجرد تجمع للقوى الصاعدة، أم تتحول بالفعل إلى أحد أعمدة النظام الدولي متعدد الأقطاب.
الخلاصة
ومن هنا يمكن القول إن التحدي الحقيقي أمام بريكس بعد قمة نيودلهي لن يكون في إعلان استقلالها عن النظام الدولي القائم، بل في قدرتها على بناء نفوذ مؤسسي واقتصادي وسياسي يجعلها شريكا لا يمكن تجاهله في صياغة النظام الدولي الجديد.
وبعبارة أخرى، فإن بريكس تقف اليوم بين مرحلتين: مرحلة الاحتجاج على النظام العالمي القائم، ومرحلة القدرة الفعلية على إنتاج بدائل قابلة للاستمرار. والقمة الثامنة عشرة دفعت المجموعة خطوة إضافية نحو المرحلة الثانية، لكن الطريق ما زال طويلا ومليئا بالتحديات.