*سنية عبدالقادر نايل
*مركز انتر ريجيونال للدراسات
أدت الحرب الإيرانية وما صاحبها من اضطرابات في الملاحة البحرية وسلاسل الإمداد العالمية إلى تفاقُم أزمة الأمن الغذائي على نطاق واسع، خاصة في الدول الأكثر اعتمادا على واردات الغذاء والوقود؛ ففي ظل تداعيات الصراع على أسعار السلع الأساسية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، بلغ ملايين البشر مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي. ومع تراجع المساعدات الإنسانية وارتفاع الأسعار العالمية، تجاوزت الأزمة كونها اضطرابا اقتصاديا لتتحول إلى أزمة إنسانية متصاعدة تُهدِّد الاستقرار الاجتماعي في تلك الدول.
مؤشرات رئيسية
ثمة مؤشرات تعكس تداعيات خطيرة للحرب في الشرق الأوسط على الأمن الغذائي العالمي، ويمكن الوقوف على أبرزها على النحو التالي:
1- ارتفاع مؤشر "الفاو" خلال أبريل 2026 إلى أعلى مستوياته منذ أكثر من ثلاث سنوات:
تسببت الحرب في الشرق الأوسط، وما ارتبط بها من اضطرابات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز، في ارتفاع مؤشر أسعار الغذاء لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "الفاو" خلال أبريل 2026 إلى أعلى مستوياته منذ أكثر من ثلاث سنوات؛ حيث بلغ متوسط المؤشر نحو (130.7) نقطة، وهو أعلى مستوى منذ فبراير 2023؛ ما كشف عن تصاعد الضغوط التضخمية في الأسواق الغذائية العالمية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والإنتاج الزراعي.
وفي هذا الصدد، أوضحت الفاو أن الزيادة كانت مدفوعة بشكل رئيسي بارتفاع أسعار الزيوت النباتية بنسبة (5.9%)؛ حيث وصلت إلى أعلى مستوى منذ يوليو 2022، نتيجة ارتفاع أسعار زيوت الصويا ودوار الشمس وزيت النخيل، بجانب زيادة الطلب على الوقود الحيوي الذي يعتمد على المواد الزراعية، كما أشار خبراء المنظمة إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن الحرب، ساهم بشكل مباشر في تعزيز هذا الاتجاه الصعودي في أسعار الزيوت.
2- صعود أسعار الأسمدة النيتروجينية عقب تعطل إمدادات الغاز الطبيعي المسال:
أدى تعطل الإمدادات وارتفاع تكاليف الطاقة إلى قفزة في أسعار الأسمدة النيتروجينية، وعلى رأسها اليوريا؛ ما انعكس على تكلفة الإنتاج الزراعي في العديد من الدول. أضف إلى ذلك أن الانخفاض المستمر في صادرات الغاز الطبيعي المسال ساعد في تراجع إنتاج الأسمدة النيتروجينية عالميا؛ حيث يعد الغاز الطبيعي المادة الخام الأساسية ومصدر الطاقة الرئيسي لإنتاج الأمونيا، كما أنه المكون الأساسي لجميع الأسمدة النيتروجينية.
جدير بالذكر أن أسعار اليوريا في الشرق الأوسط قد ارتفعت إلى (590) دولارا للطن المتري في 5 مارس 2026. ورغم أن أسعار الأسمدة لا تزال أقل من المستويات القياسية في عامَي 2021–2022، فإن ارتفاعها يأتي في توقيتٍ يعاني فيه المزارعون من انخفاض أسعار المحاصيل الزراعية؛ ما يضغط على هوامش الأرباح، ويؤثر على قرارات الإنتاج الزراعي والكميات المستخدمة من الأسمدة.
3- نمو أسعار الحبوب من جراء ارتفاع أسعار الطاقة العالمية وتكاليف الإنتاج:
انعكس التوتر في منطقة الشرق الأوسط على أسواق الطاقة التي تُعد المحرك الأساسي لتكاليف الإنتاج الزراعي والنقل؛ إذ أفضى ارتفاع أسعار النفط إلى ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة والشحن، بجانب زيادة أسعار التأمين وتغيير مسارات التجارة، فزاد الضغط على الإمدادات وارتفعت أسعار الحبوب عالميا.
وقد شمل ذلك الارتفاع مختلف أنواع السلع الزراعية؛ إذ صعدت أسعار القمح والذرة وفول الصويا مدعومة بتوقعات تراجع الإنتاج في موسم 2026/2027 وتأخر عمليات الإنتاج الزراعي في بعض الدول. وتشير التحليلات إلى أن هذه الزيادة تبقى مرهونة باستمرار التوترات، خاصة إذا امتد الصراع خلال الأشهر المقبلة ولم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي شامل بين إيران والولايات المتحدة.
4- تداعيات الارتفاع في تكلفة الشحن والتأمين على الأمن الغذائي العالمي:
أسفر توقف مرور ناقلات النفط وسفن الشحن عبر مضيق هرمز إثر اندلاع الحرب، عن صدمة جيوسياسية واقتصادية واسعة النطاق، ساهمت في إعادة تقييم شاملة لتكلفة المخاطر؛ فقد انعكس ذلك الاضطراب اللوجستي مباشرة على حركة التجارة والأمن الغذائي العالمي نتيجة القفزة الحادة في تسعير أقساط التأمين البحري. ووفق بيانات شركة "مارش" (Marsh) – وهي شركة وساطة تأمين واستشارات مخاطر رائدة عالميا – فإن أسعار التأمين على السفن باتت تتراوح بين (1%-1.5%) بحسب موقع السفينة شرق أو غرب مضيق هرمز.
ولم تقتصر تلك الزيادات على السفن وحدها، بل امتدت لتشمل مختلف جوانب التأمين المرتبطة بالنقل البحري في المنطقة؛ ما ساهم بالتبعية في تضاعف تكاليف نقل السلع الأساسية والمغذيات الزراعية كالأسمدة، ورفَع بالتبعية القيمة النهائية للشحنات الغذائية الموجهة للأسواق العالمية مع زيادة الضغوط على سلاسل الإمداد.
تداعيات إنسانية
تتجاوز التداعيات الإنسانية للحروب حدود ساحات القتال المباشرة، لتتحول إلى صدمات معيشية واجتماعية حادة تضرب عمق المجتمعات الأكثر هشاشة حول العالم، وهو ما يتضح بشكل جلي في ضوء التداعيات الإنسانية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط؛ وذلك على النحو التالي:
1- تضرُّر عدد من الدول الآسيوية بفعل تفاقم الضغوط السعرية واللوجستية:
لم تقتصر التبعات الإنسانية للتصعيد العسكري الجاري على منطقة الشرق الأوسط، بل امتدت هذه الضغوط السعرية واللوجستية لتمسَّ أجزاء من قارة آسيا؛ حيث أصبحت الاقتصادات المعتمِدة على الواردات الغذائية تعاني من تآكل القدرة الشرائية للأسر، ولا سيما في أفغانستان التي تواجه هذه الموجة التضخمية بالتزامن مع أزمات مركَّبة تشمل صراعاتها الحدودية، وتبعات زلزالَين مدمرَين ضربا البلاد في عام 2025، فضلا عن المخاوف من اضطرار اللاجئين الأفغان في إيران للعودة إلى موطنهم ومواجهة صعوبات بالغة في تأمين الغذاء نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء.
وعلى صعيد آخر، تفاقمت الأزمة الإنسانية في لبنان الناجمة عن موجات النزوح الجماعي في ظل استمرار التصعيد بين ميليشيا حزب الله وإسرائيل؛ ما دفع برنامج الأغذية العالمي إلى التدخل العاجل وتقديم مساعدات غذائية ونقدية لأكثر من (230) ألف شخص، وتوزيع ما يزيد عن مليون وجبة ساخنة في لبنان خلال أول أسبوعَين فقط من التصعيد العسكري.
2- تأثر القارة الأفريقية بشكل ملحوظ من جراء قفزة أسعار سماد اليوريا:
تضررت القارة الأفريقية على نطاق واسع بفعل الارتفاع الحاد في أسعار سماد اليوريا عقب اندلاع الحرب وإغلاق مضيق هرمز؛ إذ دفع التصعيد في المنطقة المزارعين في بعض الدول أفريقية إلى تقليص المساحات المزروعة، أو التخلي تماما عن الأسمدة، وسط توقعات بتسجيل أدنى محصول قمح في جنوب أفريقيا منذ (12) عاما، في ظل عدم قدرة المزارعين على معالجة محاصيلهم مع بدء موسم الزراعة نتيجة تعطل خطوط الإمداد؛ ما يهدد بانخفاض حاد في الإنتاجية وارتفاع الأسعار.
كما تبرز مالاوي ضمن أكثر الدول الأفريقية تضررا من تبعات الحرب؛ إذ تتفاقم الأزمة الإنسانية مع عجز الحكومة الملاوية، التي تُكبِّلها ديون تتجاوز (13) مليار دولار، عن دعم المزارعين، بالتزامن مع طوابير وقود خانقة، وتجاوُز سعر اللتر (3.50) دولار، علاوة على اضطرار الحكومة إلى بيع احتياطيات الذهب الوطنية وطلب تمويل طارئ من البنك الدولي لتأمين واردات الوقود، وسط تحذيرات من بعض منظمات الإغاثة من تفاقم مستويات الجوع الشديد للملايين بحلول عام 2027.
3- تحذير برنامج الأغذية العالمي من ارتفاع مستويات الجوع عالميا إلى أرقام قياسية:
حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أن التوقف شبه الكامل للملاحة في مضيق هرمز، ومخاطر حركة المرور في البحر الأحمر، يهددان بوصول مستويات الجوع عالميا إلى أرقام قياسية؛ حيث تُشير تحليلات البرنامج إلى إمكانية انزلاق نحو (45) مليون شخص إضافي إلى مستويات انعدام الأمن الغذائي الحاد أو أسوأ بحلول نهاية عام 2026، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل يمنع تجدد الحرب، وهو ما من شأنه أن يرفع إجمالي عدد الجوعى عالميا إلى رقم قياسي يصل إلى (363) مليون شخص، ويهدد بانهيار كامل للمكتسبات التنموية في تلك البيئات الهشة.
4- معاناة الاتحاد الأوروبي من ارتفاع أسعار الأسمدة نتيجة تزايد تكاليف الطاقة:
على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي يُعد أقل أقاليم العالم تأثرا بنقص الأسمدة مقارنة بمناطق أخرى أكثر هشاشة، فإن القارة الأوروبية تتأثر بعمق من جراء الارتفاع الحاد في الأسعار العالمية وتكاليف الطاقة؛ فقد قفزت أسعار الأسمدة النيتروجينية في أوروبا بنسبة (71%) في أبريل 2026 مقارنة بمتوسط 2024، نتيجة ارتباط إنتاجها المحلي بالغاز المستورد الذي ارتفعت أسعاره إثر اضطرابات مضيق هرمز.
بيد أن درجة التأثر تتراوح بين الدول الأوروبية بحسب طبيعة الاستجابة الحكومية للأزمة؛ فبينما تعتمد أيرلندا على الأسمدة المستوردة في ظل افتقارها إلى الإنتاج المحلي؛ حيث استوردت (1.7) مليون طن من الأسمدة في عام 2025، فإن دولا مثل فنلندا والسويد كانت الأكثر صلابة بفعل حفاظها على المخزونات الاستراتيجية من الأسمدة.
يذكر في هذا الصدد أن الاتحاد الأوروبي، في إطار الجهود الرامية إلى دعم القطاع الزراعي الأوروبي وتعزيز استقرار إمدادات الأسمدة اللازمة للإنتاج الزراعي، قرَّر تعليق الرسوم الجمركية لمدة عام واحد على عدد من الأسمدة الرئيسية المعتمدة على النيتروجين والمستخدمة في الإنتاج الزراعي داخل الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك مدخلات صناعة الأسمدة، مثل اليوريا والأمونيا؛ وذلك بهدف خفض التكاليف التي يتحمَّلها المزارعون الأوروبيون وصناعة الأسمدة داخل الاتحاد؛ إذ تُقدِّر المفوضية الأوروبية بأن هذا القرار من شأنه أن يوفر نحو (60) مليون يورو من الرسوم الجمركية على الواردات.
إجمالا، يُظهر الرصد الدقيق للقفزات القياسية في مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الغذاء واختناق إمدادات الأسمدة والتصاعد الحاد في تكاليف الشحن والتأمين البحري، حجم التهديدات المتزايدة التي تواجه منظومة الغذاء العالمية، والتي انعكست تبعاتها الإنسانية والاقتصادية على المجتمعات الأكثر هشاشة، وخاصة في أفريقيا جنوب الصحراء وآسيا.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن مستقبل الأمن الغذائي عالميا يتوقف إلى حد كبير على مسار التصعيد بين إيران والولايات المتحدة ومدى إمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل يضمن منع تجدد الحرب؛ إذ من شأن استمرار الحرب واتساع نطاقها أن يفاقم اضطرابات سلاسل إمدادات الغذاء عالميا، ومن ثم ارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج الزراعي، بما يعمِّق أزمة الغذاء العالمية.