×


  کل الاخبار

  العراق واقليم كوردستان.. هل ينقذ الدستور ما أفسدته السياسة؟



عماد أحمد:

*ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى

 

*مقدمة المرصد

في الدول التي تتنازعها الأزمات والانقسامات، لا يعود السؤال الحقيقي متعلقا بمن يمتلك القوة، بل بمن يمتلك القدرة على تحويل القوة إلى قانون، والخلاف إلى شراكة، والتعددية إلى استقرار.

 وهنا يبرز الدستور بوصفه أكثر من مجرد وثيقة قانونية؛ إنه التعبير الأعمق عن شكل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والحرية، وبين الهوية الوطنية ومستقبل الأجيال.

فالدساتير لا تُقاس بعدد موادها، بل بقدرتها على صناعة الثقة ومنع احتكار السلطة وحماية التنوع. وحين يتحول الدستور إلى ثقافة سياسية ومؤسسات راسخة، يصبح الضامن الحقيقي للاستقرار، أما عندما يبقى مجرد نص جامد أو مادة للخلافات السياسية، فإنه يفقد جوهره الأخلاقي والوطني.

وفي العراق وإقليم كوردستان، تبدو قضية الدستور اليوم أكثر حساسية من أي وقت مضى، ليس فقط بسبب التعقيدات القانونية، بل لأن جوهر الأزمة يرتبط بسؤال أعمق: كيف يمكن بناء دولة مستقرة وشراكة حقيقية في ظل ضعف الثقة وتضارب المصالح وتفاوت تفسير النصوص؟ ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى روح الدستور، لا بوصفه أداة للصراع السياسي، بل باعتباره عقدا وطنيا لحماية الحقوق وتنظيم السلطة وصيانة التوازن بين المكونات.

هذه الافتتاحيات الثلاث تحاول قراءة الدستور من زوايا متعددة؛ فلسفيا وسياسيا ووطنيا، انطلاقا من التجربة العراقية والكوردستانية، وصولا إلى السؤال الجوهري الذي يواجه حاضر البلاد ومستقبلها: هل يمكن بناء وطن قوي من دون دستور حيّ، عادل، ومؤمن به من الجميع؟:

 

اولا: "الدستور؛ الثقة والسلطة

الدستور هو أسمى الأسس القانونية والسياسية للدولة، وهو الهوية السياسية للشعب وركيزة العدالة والاستقرار،وليس مجرد نص قانوني فحسب، بل هو ميثاق الحياة المشتركة بين مكونات الوطن،هذا المقال محاولة للتأمل في روح الدستور بوصفه عقدا أخلاقيا وميثاقا للعيش المشترك، لا مجرد وثيقة رسمية وقانونية جامدة محفوظة في المكتبات.

فعندما يكون الدستور "دستورا حيا"، منسجما مع متطلبات العصر، فإنه يستطيع حماية الحقوق والحريات، وتعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي، وبناء الثقة بين المواطن والدولة، ومن المؤكد أن حماية الدستور ليست مجرد حماية للنصوص، بل حماية لمستقبل الأمة.

وفي تاريخ الفكر السياسي وتأسيس الدول، قلّما نجد مفهوما يمتلك عمق وتأثير مفهوم "الدستور". فالدستور ليس مجرد مجموعة مواد قانونية تحدد حدود السلطة، ولا مجرد وثيقة رسمية لتنظيم المؤسسات، بل في معناه الأعمق والأشمل هو العقد الكبير بين الإنسان والسلطة والحقوق والهوية ومستقبل الوطن.

ومن المنظور الفلسفي، فإن الدستور هو الجواب عن هذا السؤال الجوهري: كيف يستطيع البشر أن يعيشوا معا تحت نظام سياسي واحد، من دون خوف أو ظلم أو هيمنة طرف على آخر؟وهذا السؤال، قبل أن يكون قانونيا، هو سؤال فلسفي وإنساني، لأن الدستور قبل أن يُكتب في البرلمان ويُصادق عليه ويُصوَّت له، يتشكل في وجدان المجتمع وفي الوعي السياسي للشعوب.

ويقول علماء  ومفكروا القانون والدستور:(إن الإنسان من دون قانون يشبه كائنا يعيش في حرب الجميع ضد الجميع)، وإن (الدولة تُقام لحماية الحقوق الطبيعية للإنسان)، كما تُعد نظرية "فصل السلطات" أساس الدستور الحديث.

وبهذا المعنى، فإن الدستور في العالم الحديث ليس مجرد تحديد لإطار نظام الحكم، بل هو اتفاق أخلاقي على تقييد القوة والسلطة.

وفي الحقيقة، فإن تاريخ الدستور هو تاريخ صراع الإنسان مع السلطة المطلقة، فلأول مرة في التاريخ الأوروبي، فُرضت حدود على سلطة الملك، وكان ذلك خطوة أولى نحو نقل السلطة من إرادة الفرد إلى إطار القانون،وبعد ذلك دخلت مفاهيم سيادة الشعب والحرية والمساواة وحقوق الإنسان إلى المؤسسات السياسية.

ومنذ تلك المرحلة، أصبح الدستور أداة لتحويل الدولة من سلطة فردية مطلقة إلى مؤسسة قانونية،لكن في الدول المتعددة القوميات والأديان واللغات، يبرز سؤال آخر: كيف يمكن أن تتحول التعددية إلى مصدر قوة، لا إلى سبب للصراع والانقسام والحروب؟

 

وفي علم القانون الدستوري، يُعرَّف الدستور بأنه مجموعة المبادئ والقوانين التي:

• تحدد شكل تأسيس الدولة.

• تحدد حدود السلطات.

• تنظم العلاقة بين المؤسسات.

• تحمي الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين.

 

وعادة ما تُقسَّم الدساتير إلى عدة أنواع:

أولا: الدستور غير المكتوب، كما في التجربة البريطانية.

ثانيا: الدستور الجامد والدستور المرن، مثل الدستور الأمريكي الذي لا يُعد دستورا مرنا.

ثالثا: الدستور الموحد والفيدرالي والكونفدرالي، كما في سويسرا وألمانيا.

رابعا: دستور الأغلبية والدستور التوافقي، وهو النموذج الأكثر حضورا في الدول المتعددة المكونات، ويُعد لبنان أحد أشهر نماذج الدستور التوافقي، حيث تُوزَّع المناصب الأساسية في الدولة بين المكونات الدينية. ورغم أن هذا النموذج حافظ إلى حد ما على التعددية والمجتمع، فإنه تعرض لأزمات مستمرة عند ضعف المؤسسات وتزايد التدخلات الخارجية.

وهذه تجربة مهمة للعراق، فالتوافق وحده لا يكفي، بل لا بد أيضا من مؤسسات قوية وثقة سياسية.

وهكذا، فإن الدستور، وإن كُتب بالكلمات على الورق، إلا أن مصير المكونات والشعوب يختبئ بين سطوره. ويصبح الدستور حيا عندما لا يقتصر حضوره على المحاكم والبرلمان، بل يترسخ في وعي المواطنين والثقافة اليومية للمجتمع،وقد أثبتت تجربتا كندا وسويسرا أن التعدد اللغوي والهوياتي، إذا أُدير تحت مظلة دستور عادل، يتحول إلى مصدر قوة واستقرار، لا إلى عامل تفكك وانقسام.

وفي هذه المرحلة الحساسة، إذا تحدثنا عن كوردستان، فإنها اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى الوحدة والحكمة والمسؤولية، وإذا كان الحديث عن الإتحاد الوطني الكوردستاني ، فإن الاتحاد الوطني الكوردستاني كما كان دائما ،ليس مجرد طرف سياسي، بل هو جزء من ذاكرة النضال والأخلاق الوطنية ومشروع مستقبل الشعب،أما القوة الحقيقية، فهي أن تمتزج السياسة بالضمير، وتمتزج السلطة بالخدمة،لأن الوطن يصبح قويا عندما تتحول الأخلاق إلى أساس للقرار،لكن السؤال الجوهري هنا هو:هل يكفي وجود نص مكتوب لضمان العدالة؟،أم أن الثقة تسبق الدستور؟

 

ثانيا: الدستور العراقي والمرحلة الجديدة

بعد عام 2003، دخل العراق مرحلة جديدة من مراحل بناء الدولة، وفي عام 2005، أقر العراق دستور جديد،هذا الدستور:

• عرّف العراق بوصفه دولة فدرالية.

. • أقرّ بالتعددية القومية والدينية في العراق.

 • اعترف بخصوصية وصلاحيات الأقاليم والمحافظات.

 • حدد المبادئ والآليات الكفيلة بتوزيع السلطات والصلاحيات ،في مسار صياغة الدستور، أدى الكورد دورا جوهريا بفضل توحيد صفوفهم ورؤيتهم الاستراتيجية، وخلال تلك المرحلة، كان لدور الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني، وبصمة الرئيس مام جلال، ومسعود بارزاني، ونوشيروان مصطفى، أثر بالغ الأهمية، إذ كانت القيادة الكوردية تؤمن راسخ الإيمان بأن العراق لا يمكن أن يستمر بمنطق الأغلبية، بل يُصان عبر التوافق والتوازن والشراكة،والحقيقة  هي أن دستور العراق لعام 2005 لم يستوعب كامل المطالب والحقوق التاريخية لشعب كوردستان، إلا أن موازين القوى في تلك المرحلة، ووجود القوات الأمريكية والتحالف الدولي، فضلا عن التعقيدات الداخلية في العراق والضغوط الإقليمية، جعلت مما تحقّق أقصى ما يمكن نيله.

 في تلك اللحظة التاريخية، لم يكن الأمر يتعلق بالحصول على كل شيء، بل بتحصين الهوية والحقوق الدستورية للكورد في خضم عراق جديد، لم يكن الطريق معبّدا، بل كان حافلا بالمنعطفات والعقبات والمطبات، لكن الأهم كان السير في الاتجاه الصحيح ،حتى يومنا هذا، لم يُطبّق الدستور كما ينبغي وهذه ليست مجرد معضلة دستورية وقانونية، بل هي أزمة ثقة بين الشركاء في العراق، لاسيما بين إقليم كوردستان والسلطات الفدرالية، وتعد المادة (140) واحدة من أهم المواد الدستورية، والتي وُضعت لمعالجة قضية المناطق المتنازع عليها، وفي مقدمتها كركوك، وتتمثل مراحل تطبيقها في:

1. التطبيع.

2. الإحصاء السكاني.

3. الاستفتاء

علاوة على ذلك، وردت في معظم مواد الدستور العراقي عبارة (ينظم بقانون)، ما يعني أن تفعيل المادة رهن بتشريع قانون لاحق، ولكن حين لا تصدر تلك التشريعات، تتحول المادة إلى نصّ بلا روح، وتفتح الباب في الوقت ذاته أمام استمرار العمل بالقوانين الصادرة في عهد الحكومة المركزية قبل عام 2003 وهي قوانين لا تنسجم روحها القديمة مع مبادئ النظام الفدرالي.

 

ومن أبرز الملفات والقضايا التي نص عليها الدستور العراقي وتستوجب تشريع قوانين خاصة بها:

• النفط والغاز.

• تأسيس مجلس الاتحاد.

 • تأسيس المحكمة الاتحادية العليا.

 • الموازنة والتوزيع العادل للإيرادات العامة.

• الموازنة وصلاحيات إدارة المالية العامة.

 • قانون المؤسسات الكفيلة بضمان التوازن والعدالة في الاستحقاقات والحقوق ،إن الدستور ليس مجرد نص قانوني جامد، بل هو وثيقة العيش المشترك بين مكونات البلاد، وحين يتعامل معه بوصفه (دستورا حيا) يتناغم مع متطلبات العصر، فإنه يغدو قادرا على حماية الحقوق والحريات، وتعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي، وبناء الثقة بين المواطن والدولة. فحماية الدستور لا تعني صون نصوص مكتوبة، بل صون مستقبل الأمة.

وفي واقع الأمر، ليس الدستور (كتابا قانونيا) يوضع على الطاولات فقط، بل هو أمانة تاريخية، وإذا ما أردنا إنقاذ العراق من دوامة الأزمات، فلا بد من العبور به من خانة (الدستور الحبر على ورق) إلى رحاب (دستور المؤسسات)، وتجذيره في (الفكر والوجدان السياسي والإداري) فعندها فقط يغدو الوطن بيتا آمنا يتسع للجميع، بطبيعة الحال، يُكتب أي دستور في مناخات الاستقرار، لكنه يوضع تحت المجهر ويُختبر في زمن الأزمات.

 

وحين :

• تضطرب المنطقة.

•  وتتبدل التحالفات.

•  وتتصاعد الضغوط الخارجية.

•  ويغيب التوافق.

وحينها يبرز السؤال الجوهري: أيهما يسطو ويسود.. القانون أم القوة؟ إذا كانت القوة هي من تحدد قراءة الدستور وتفسيره، فإن الدستور يفقد معناه وجوديا.

 

 وتظهر القراءة العلمية والتجريبية للدستور العراقي أن الأزمة الدستورية غالبا لا تكون أزمة  نص بل هي:

•  أزمة إرادة سياسية .

• وغياب للإيمان بسيادة القانون.

•  ونقص في الثقة والمآسسة.

•  وتراجع في ثقافة المواطنة.

 

ختاما، الدستور ليس مجرد مواد قانونية، بل هو:

• أخلاق سياسية.

• عقد للشراكة.

• ضمانة لحقوق الإنسان.

• حدّ للسلطة

. • الركيزة طويلة الأمد لبناء الوطن

 من الأفضل ألا تقتصر الفدرالية في العراق على إقليم كوردستان فحسب، فمن أجل خلق توازن سياسي ودستوري، لا بد من تطويرها في المناطق الأخرى أيضا على أساس الأقاليم الإدارية. فالكورد أمة وإقليمهم يستند إلى أساس قومي، بيد أن توسيع رقعة الفدرالية في عموم العراق كفيل بإيجاد نظام أكثر توازنا واستقرارا، فالأوطان لا تستمر بالثروات أو السلاح، بل بالثقة المتبادلة وسيادة القانون.

من المنظور الفكري للاتحاد الوطني الكوردستاني، في الماضي والحاضر، لطالما كان الدستور هو الركيزة الأساس للشراكة والتوازن وحل الخلافات العراقية، كان الرئيس مام جلال يؤمن بأن العراق لا يُحمى بالقوة العسكرية أو بالضغوط والمال، بل بالقانون والثقة والشراكة.

 واليوم، وفي ظل التعقيدات الداخلية والمتغيرات الإقليمية، تتمثل رؤية الاتحاد الوطني الكوردستاني في أن حل المشكلات بين السلطة والشعب، وبين الإقليم والمركز، وبين المكونات السياسية، يكمن في العودة إلى روح الدستور والتطبيق العادل لمواده ،لذا، وعوضا عن اللجوء للغة السلاح أو المال أو التحالفات المؤقتة، يتعين الاحتكام إلى الدستور،إذ لا يمكن بناء عراق جديد، عراق يمثلنا جميعا، إلا تحت مظلة سيادة القانون.

وفي هذه المعادلة المعقدة، وبموجب ما نصت عليه الأحكام الدستورية، يبرز دور رئيس الجمهورية و(المحكمة الاتحادية) بوصفهما حراسا للدستور، إذ تقع على عاتق المحكمة الاتحادية مسؤولية صون الاستقرار الدستوري كحَكَم مستقيل، وأن تفسر النصوص على نحو يعكس روح الفدرالية والشراكة.

إن تأسيس (مجلس الاتحاد) ــ وهو مادة دستورية جوهرية لم تُنفذ حتى الآن ــ يمثل ضرورة وطنية ملحة، وينبغي لجميع المكونات والقوى السياسية الإسراع في تشكيله، نظرا للدور الحيوي الذي يمكن أن يؤديه هذا المجلس في حل الأزمات الدستورية والسياسية، والحفاظ على التوازن الفيدرالي، ومد جسور الثقة بين السلطة الفيدرالية والأقاليم .

وفي العراق، لا ينبغي للدستور أن يبقى مجرد ذكريات سياسية تعود لعام 2005، بل يجب أن يكون (دستورا حيا) يواكب تحولات العصر، وتطلعات الجيل الجديد، ومقتضيات الشراكة بين المكونات كافة لأنه  في النهايةحماية الدستور ليست صونا للنص فقط، بل هي صون لحقوق الإنسان، وثروات البلاد، ومستقبل الأجيال

 

ثالثا:  الدستور؛ أساس إقليم قوي ومستقبل مستقر

في تاريخ الشعوب، هناك لحظات مفصلية يضطر الناس فيها إلى أن يسألوا أنفسهم: ما الشيء الذي يمكنه أن يحفظ الاستقرار وسط التغيرات، والصراعات السياسية، والتعقيدات الداخلية والخارجية؟

إن الجواب في معظم التجارب الناجحة في العالم واحد، وهو: الدستور.

فالدستور ليس مجرد مجموعة من المواد والنصوص القانونية، بل هو عقد وطني بين السلطة والشعب، وبين الحاضر والمستقبل، وبين الحقوق والمسؤوليات. وبعد سنوات طويلة من الثورة والتضحيات، وبعد عقود من تجربة الحكم، أصبح إقليم كوردستان اليوم أكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى دستور خاص به؛ دستور ينسجم مع الدستور العراقي الاتحادي، وفي الوقت نفسه يستوعب الخصوصية السياسية والتاريخية والاجتماعية للإقليم، ويضمن تطبيق تلك الخصوصيات والصلاحيات التي منحها الدستور الاتحادي للإقليم.

لقد واجه إقليم كوردستان خلال السنوات الماضية العديد من الأزمات السياسية والمالية والإدارية والقانونية، ومن بينها مشكلة حدود صلاحيات المؤسسات الدستورية، إذ إن قوانين المؤسسات الدستورية كقانون رئاسة الإقليم والبرلمان ومجلس الوزراء والسلطة القضائية لا تزال منظّمة بقوانين عادية بسبب غياب الدستور، في حين أن المهمة الأساسية للدستور هي تنظيم سلطات المؤسسات الدستورية بنصوص دستورية واضحة وصريحة. وقد أدى ذلك، إلى جانب اختلاف تفسير القوانين والنصوص، إلى تكرار الصراعات المؤسساتية، وأحيانا اللجوء إلى الحلول السياسية بدلامن الحلول القانونية. وهذا الواقع يثبت أن غياب إطار دستوري واضح وشامل يجعل الأزمات نفسها تتكرر ويبقي النظام داخل دائرة الجمود والتكرار.

إن أي دستور حديث للإقليم ينبغي أن يتضمن مجموعة من المبادئ الأساسية، من أبرزها:

1. تحديد شكل السلطات وحدودها التشريعية والتنفيذية والقضائية بنصوص واضحة وصريحة؛ بحيث يُعرف من يقرر، ومن يراقب، ومن يتحمل المسؤولية، لأن غموض الحدود يولّد مزيدا من النزاعات.

2. تنظيم العلاقة بين المؤسسات، أي بين البرلمان والحكومة ورئاسة الإقليم والمؤسسات القضائية، لأن السلطة إذا فقدت توازنها تنزلق بسهولة إلى الأزمات.

3. ضمان الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، بما في ذلك حرية التعبير والتنظيم والمشاركة السياسية والمساواة أمام القانون.

4. حماية حقوق المكونات الأصيلة في الإقليم، وحقوق الكورد والعرب والتركمان والكلدوآشوريين والسريان والأرمن، لكي تشعر جميع المكونات القومية والدينية بأن هذا الإقليم وطن مشترك للجميع، لا مجرد مساحة للحكم.

5. أن ينسجم الدستور مع روح العصر، أي ألا يكون مجرد حل لمشكلات الحاضر، بل أن يمتلك القدرة على الاستجابة لتحولات المستقبل في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد والبيئة والتعليم والتنمية البشرية.

6. إضفاء الطابع المؤسساتي على قوات الپێشمەرگە وتوحيدها تحت مظلة وزارة الپێشمەرگە، وترسيخ إطار ثابت ومستقر لقوة دفاع كوردستان ضمن الدستور.

7. ترسيخ إطار دستوري للتوزيع العادل للإيرادات العامة بين مناطق إقليم كوردستان، وفقا لعدد السكان ومستوى الحرمان، وفي إطار قانون الموازنة العامة للإقليم، بما يحقق تنمية متوازنة وينهي حالة الإدارة المالية المزدوجة داخل الإقليم.

لقد أثبتت تجارب العالم أن الأقاليم والدول التي امتلكت دساتير قوية كانت مؤسساتها أكثر قوة واستقرارا، بينما عانت الدول التي أُضعفت دساتيرها بسبب المصالح السياسية المؤقتة من الأزمات وعدم الاستقرار. وإقليم كوردستان، في الواقع منطقة شديدة التعقيد والمخاطر، يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى قاعدة دستورية تحمي مكتسباته وتعزز تجربته الفيدرالية داخل العراق.

وفي النهاية، فإن الدستور ليس مجرد مشروع تشريعي، بل هو مشروع لبناء الوطن وصناعة الثقة. وإذا كان الإقليم يريد الخروج من دوامة الأزمات والخلافات والحلول المؤقتة، فعليه أن يلجأ إلى الدستور لا إلى الصفقات السياسية. وكما يُقال: "حين تنتهي سلطة القانون يبدأ الظلم". وهذا هو السبب في حالة الشلل السياسي والإداري التي تعاني منها هذه التجربة منذ سنوات.

 

الشرعية الدستورية وحماية الكيان

لقد منح الدستور العراقي الاتحادي لعام 2005، في المادتين (117-120)، إقليم كوردستان حق امتلاك دستوره الخاص بشكل واضح. وإن صياغة هذا الدستور ستعزز الموقع القانوني للإقليم أمام بغداد. فعندما يمتلك الإقليم دستورا خاصا به، فإن علاقته مع السلطات الاتحادية لن تبقى قائمة على التفسيرات السياسية المتغيرة، بل ستتحول إلى علاقة مؤسساتية تُصان فيها الخصوصيات القومية والسياسية للإقليم ضمن إطار الدولة الاتحادية.

إننا بحاجة إلى دستور لا يخدم الحاضر فقط، بل يستجيب أيضا لاحتياجات الأجيال القادمة؛ دستور يحدّ من الفساد، ويضمن الشفافية في المال العام، ويحترم البيئة الوطنية.

وإذا أردنا لإقليم كوردستان أن يكون نموذجا مشرفا في الحكم والعدالة والشراكة، فعلينا أن نبدأ من الأساس، وهذا الأساس اسمه الدستور.

فالدستور بالنسبة لإقليم كوردستان ليس مجرد كتابة بضع صفحات، بل هو بناء ذلك المرساة التي تحمي سفينة الحكم من العواصف السياسية. ومن دون دستور سنبقى ندور في حلقة مغلقة من الصراعات الحزبية، أما بوجود دستور حديث وشامل، فإن الإقليم سينتقل من مرحلة "الشرعية المؤقتة" إلى مرحلة "الاستقرار الدائم".

إنه ذلك العقد التاريخي الذي ينبغي أن يجتمع الجميع حوله، لكي تعود هيبة القانون وطمأنينة الوطن، لأنه في النهاية  الوطن الذي يكتب دستوره لا ينظم حاضره فقط، بل يؤمّن طريق الأجيال القادمة أيضا.

 


24/05/2026