×


  کل الاخبار

  نبوءة "الرئيس مام جلال".. كيف حذّر غسان كنفاني؟



د. ژینۆ عبد الله :

في أزقة بيروت الصاخبة ومكاتبها الصحفية خلال سبعينيات القرن الماضي، لم يكن الرئيس جلال طالباني مجرد سياسي يرقب الأحداث عن بُعد، بل كان فاعلا في صياغة المشهد الثقافي والسياسي، وشاهدا وثيقا علي أدق تفاصيله. ومن بين أبرز المحطات التاريخية التي تروي عمق العلاقات الفكرية والسياسية آنذاك، هي تلك العلاقة الأخوية المتينة التي جمعت بين "الرئيس مام جلال" والأديب والمناضل الفلسطيني الكبير غسان كنفاني (1936-1972)، الناطق باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ورئيس تحرير مجلة "الهدف".

 

تحذيرات أمنية في مهب الريح

تُعيد الصدف التاريخية فتح دفاتر الماضي، حيث يروي "الرئيس مام جلال" قصة استشرافية مثيرة للإعلامي العربي المعروف غسان شربل (رئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط الحالية)، مستذكرا الأيام التي جمعته بكنفاني في بيروت، وكيف كان يحثه مرارا وتكرارا علي اتخاذ تدابير أمنية صارمة لحماية نفسه من وعيد جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد).

يقول مام جلال في شهادته الموثقة: "كنا نعمل معا، ولم يكن غسان يستمع لإنذاراتي الأمنية أبدا. كان يصر على فتح الرسائل البريدية الواردة إلي المجلة بنفسه، دون أدني مبالاة بالخطر المحدق به. اقترحتُ عليه ذات يوم شراء جهاز فحص خاص بالرسائل المتفجرة نضعه في أسفل مقر الجريدة لتصفية البريد، لكنه رفض تفعيل هذا المقترح. وكنت أحيانا أخرج من غرفته غاضبا عندما يشرع في فتح الرسائل أمامي، وأقول له مازحا: لا أريد الانتحار معك!".

ولم تقتصر تحذيرات الرئيس طالباني على بريد كنفاني فحسب، بل شملت حتى تحركاته اليومية البسيطة، إذ سأله يوما مستغربا: "أستاذ غسان، لماذا لا تستعين بسائق خاص يتولي تنقلاتك؟"، فجاء رد كنفاني منطلقا من خلفيته الأيديولوجية قائلا: "هذه عادات برجوازية!"، ليرد عليه الرئيس مام جلال مستنكرا ومحذرا: "ليست برجوازية.. هل نتحدث عن البرجوازية في معركة مواجهة ضد إسرائيل؟".

 

تحقق النبوءة السوداء

في الثامن من تموز (يوليو) عام 1972، تحولت مخاوف "الرئيس مام جلال" واستشرافه الأمني إلى واقع فاجع هز الأوساط الثقافية والسياسية العربية. فبينما كان غسان كنفاني يستعد لركوب سيارته برفقة ابنة أخته الشابة "لميس" (17 عاما) أمام منزله في بيروت، انفتقت الأرض عن تفجير عبوة ناسفة زرعت داخل السيارة، مما أسفر عن استشهادهما فورا. وهي العملية التي أكدت كافة المعطيات اللاحقة وقوف جهاز "الموساد" الإسرائيلي وراءها بشكل مباشر، للتخلص من قلم كنفاني الذي كان يجيد ست لغات ويشكل جبهة دعائية قوية للقضية الفلسطينية في أوروبا وأمريكا اللاتينية.

ولم تقف المأساة عند هذا الحد، فبعد فترة وجيزة من اغتيال كنفاني، تكرر السيناريو ذاته الذي حذر منه  الرئيس جلال طالباني بدقة. إذ تلقي الكاتب "بسام أبو شريف"، الذي خلف كنفاني في رئاسة تحرير المجلة، طردا بريديا مفخخا انفجر بين يديه داخل مقر الجريدة، مما أدي إلي إصابته بجروح بليغة فقد على إثرها أربعة من أصابعه وإحدي عينيه وجزءا من حاسة السمع.

 

دلالات تاريخية

إن هذه الشهادة التاريخية، الموثقة في الصفحة 49 من كتاب "زيارات لجروح العراق" (من حوار أُجري مع مام جلال عام 2007)، لاتكمن قيمتها فقط في رواية تفاصيل اغتيال أديب هزت رواياته مثل "رجال في الشمس" الوجدان العربي، بل تكشف عن الحس الأمني والاستشراقي المبكر الذي كان يتمتع به الرئيس جلال طالباني، وتؤكد كيف كان المفكرون والمناضلون في تلك الحقبة يدفعون حياتهم ثمنا لإبداعهم وقناعاتهم.

 فبينما كان كنفاني يرى في الإجراءات الحمائية نوعا من الرفاهية البرجوازية، كان  الرئيس طالباني يدرك أن الخصم لا يقيم وزنا إلا للتصفية الجسدية لكل قلم حر ومؤثر.


24/05/2026