×


  قضايا كردستانية

  ​العَجاجيون (أعوان الجريمة)



 

كاروان أنور:

*ترجمة: نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى

 في جريمة الإبادة الجماعية والدفن الجماعي لضحايا عمليات الأنفال وهم أحياء، شارك آلاف الجنود والضباط والمراتب من سلك الأمن والاستخبارات والمخابرات والحرس الجمهوري، لقد أسهمت كل قوة من هذه القوى بطريقة أو بأخرى في هذه الفظائع، لكن المؤكد أن أولئك الذين شاركوا بشكل مباشر في عمليات الإطلاق العشوائي للنار ومواراة المقابر الجماعية، كانوا فئة خاصة جداً من القتلة، ممن نفذوا هذه المهمة بسرية تامة وتحت إشراف ورقابة مباشرة من جهاز الأمن الخاص،ولكن، أين هم هؤلاء الآن؟

وهنا، أطرح باسمكم جميعاً، سؤالاً تتولد منه آلاف الأسئلة الأخرى: من بين عشرات الآلاف الذين شاركوا في المراحل الثماني لعمليات الأنفال، لماذا لم يكشف شخص واحد منهم عن نفسه حتى الآن ليقول مثلاً: "إن المقبرة الجماعية الفلانية تقع في المكان الفلاني"؟ إن من تبقى منهم على قيد الحياة الآن، أو من يمرون في اللحظات الأخيرة من أعمارهم، يملكون بالفطرة والأخلاق البشرية السوية دافعاً لبوح ما في أعماقهم من أسرار قبل الرحيل، علّهم يريحون ضمائرهم المثقلة؛ لكن الغريب والمثير للدهشة أن هؤلاء القوم يبدون وكأنهم قُدّوا من نار وحديد، ولا ينتمون إلى الجنس البشري، وإلا ألم يكن من بين كل هؤلاء فرد واحد يحمل قلباً إنسانياً؟

على مدار الـ 38 عاماً الماضية، ألم يتحرك ضمير شخص واحد من هؤلاء الرماة، أو من ضمن تلك الفرق التي كانت تقود الجرافات وشاحنات النقل، ليدل شعب العراق وكوردستان على مكان مقبرة واحدة من تلك المقابر الجماعية؟ تلوذاً فقط بالخلاص من عذاب الضمير (إن وجد).

 نحن الكورد، لم ننظر يوماً إلى أعدائنا بعين الحقد والانتقام؛ وانظروا على سبيل المثال إلى انتفاضة عام 1991، والتي جاءت في ذروة الغليان والحرقة التي خلّفتها الأنفال، حيث جرى اعتقال ما يقارب 100 إلى 150 ألفاً من الجنود والضباط والمراتب، ومع ذلك لم يُقتل أحد منهم بدافع الانتقام، بل أُعيدوا بكل احترام إلى ذويهم وعائلاتهم.

وهنا يبرز سؤال آخر: ألا يُحتمل أن يكون هؤلاء الرماة أنفسهم قد جرت تصفيتهم وإعدامهم رمياً بالرصاص بعد فراغهم من تنفيذ المجازر؟ تاريخ العراق السابق حافل بآلاف الأمثلة المماثلة؛ فعندما خطط صدام وناظم گزار في 30 حزيران 1973 لاغتيال رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر أثناء عودته من رحلة إلى الاتحاد السوفيتي وبلغاريا، كانوا قد جهزوا ثلاث مجموعات من المسلحين والقتلة: المجموعة الأولى كانت مهمتها تصفية البكر فور نزوله في مطار بغداد، والمجموعة الثانية تقتل أفراد المجموعة الأولى تحت ذريعة الدفاع عن الرئيس، والمجموعة الثالثة ــ المقربة جداً من صدام ــ تتولى تصفية المجموعة الثانية، لتبقى هذه المجموعة الأخيرة فقط كونها تحظى بثقة صدام المطلقة. لكن جهاز الاستخبارات السوفيتي (KGB) كشف المؤامرة للبكر مسبقاً؛ وحينها قام ناظم گزار(الذي كان يشغل منصب مدير الأمن العام في العراق) باحتجاز وزير الدفاع حمادي شهاب ووزير الداخلية سعدون غيدان، فقتل شهاب وأصاب غيدان بجروح بليغة أصابته بالشلل لاحقاً. وعندما قُبض على گزار، جرى إعدامه رمياً بالرصاص فوراً بإيعاز من صدام ودون أي محاكمة رسمية، ليروح ضحية اللعبة.. لقد كنا نحن الكورد نعيش وسط مستشفى المجانين ذلك!

 إن ذلك النظام الجلاد  لم يتوانَ حتى عن قطع رؤوس وزرائه وقادته، وقضى على أقرب البعثيين إليه وأبرزهم بالتعذيب والسم والإعدام؛ ومنهم حردان التكريتي، فؤاد الركابي، صالح مهدي عماش، عبد الخالق السامرائي، محيي المشهداني، عدنان حسين، محمد عايش، وغانم عبد الجليل، إلى جانب عشرات الآخرين الذين جرت تصفيتهم وتغييبهم في قاعة الخلد عام 1979.

 أنا أفكر دائماً في أولئك الأشخاص الذين أطلقوا الرصاصة الأخيرة على ضحايا الأنفال؛ فهم لم يكونوا يوماً بأهمية گزار، الركابي، التكريتي، أو السامرائي بالنسبة للبعث، ولذا فمن المرجح جداً أنهم لاقوا المصير ذاته، وجرت تصفيتهم جميعاً بعد انتهاء عمليات إطلاق النار، وإلا.. فأين هم الآن؟ إن هذه المعضلة تبدو تماماً كالبحث عن "مثلث مستدير" (أمر مستحيل وجوده).

 

 

 


24/05/2026