×


  کل الاخبار

  لماذا قد يندم ترامب على حرب إيران



*آرون ديفيد ميلر ودانيال كيرتزر

مجلة (فورين بوليسي)/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

  

دخلت الحرب الامريكية–الإسرائيلية ضد إيران شهرها الثالث. ويبلغ متوسط مدة الصراعات بين الدول خلال القرنين الماضيين نحو ثلاثة إلى أربعة أشهر، رغم أن كثيرا من الحروب تستمر لفترات أطول بكثير. وهذه الحرب لا تُظهر أي مؤشرات على التراجع.

لكن الحرب قد تكون بصدد الدخول في مرحلة جديدة، حيث تتراجع احتمالات التحول الجذري سواء في ساحة المعركة أو على طاولة التفاوض. لذلك ينبغي إعادة ضبط طريقة النظر إلى الوضع. فبدلا من البحث عن نهاية حاسمة أو تسوية نهائية أو اتفاق تفاوضي شامل، قد تنتهي هذه الحرب كحلقة إضافية في مواجهة ممتدة منذ نصف قرن بين الولايات المتحدة وإيران. وهناك خمس حقائق سياسية محرجة تحدد الوضع الحالي.

 

 مأزق مفتوح بلا أفق

رغم أن الولايات المتحدة لا تزال تأمل في التوصل إلى اتفاق مع إيران، فإن حالة الجمود التي تهيمن على المنطقة قد تصبح الوضع الطبيعي الجديد. فإيران تمارس ضغطا على الولايات المتحدة وحلفائها عبر إغلاق مضيق هرمز، في حين يسبب الحصار الامريكي أضرارا اقتصادية لإيران. لكن لا الحرب الاقتصادية ولا التصعيد العسكري حققا نتائج حاسمة لا في الميدان ولا في المفاوضات.

وقد رفضت إدارة ترامب على ما يبدو مقترحا إيرانيا بإعادة فتح المضيق مقابل إنهاء الحصار الامريكي، على أن تُستأنف لاحقا المفاوضات حول قضايا أوسع. لكنها لم تتخذ بعد بديلا واضحا لهذا المسار.

 

وبالنظر إلى تاريخ العلاقات الامريكية–الإيرانية خلال العقود الخمسة الماضية، يبدو النمط مألوفا: صراع، ثم مواجهة، وأحيانا تهدئة مؤقتة. لكن هذه الجولة تختلف من حيث اللاعبين الأكثر تشددا والتكلفة الاقتصادية والسياسية الأكبر بكثير. ومع ذلك، من المرجح أنها لن تكون حاسمة.

النظام الإيراني سيبقى على الأرجح، وإن كان أقل تماسكا وأكثر تطرفا. أما الملف النووي فلن يُحل قريبا، رغم أن إعادة بناء البرنامج ستستغرق وقتا. كما أن حلفاء إيران، مثل حزب الله وحركة حماس، أضعف من السابق لكنهم لم يُهزموا بالكامل. ولا تزال جماعة الحوثيين في اليمن تهدد الملاحة في البحر الأحمر.

ما يميز المرحلة الحالية هو أن عملية “الغضب الملحمي” التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل أضعفت إيران لكنها زادتها غضبا وأقل استعدادا لأي تسوية غير واضحة أو غير نهائية. وقد نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق مكاسب تكتيكية، لا انتصار استراتيجي. وكما في الدورات السابقة، ستدّعي كل الأطراف أنها انتصرت، لكنها في الحقيقة مجرد جولة أخرى، يتبعها على الأرجح جولات لاحقة.

 

 لا صفقة جيدة

لا ينبغي أن يكون ذلك مفاجئا. فطبيعة النظام الإيراني تجعل من الصعب التوصل إلى اتفاقات “جيدة” أو حلول نهائية ذات طابع جذري. ولهذا سعت الإدارات الامريكية المتعاقبة إلى صفقات محدودة وواقعية.

وقد كان الاتفاق النووي المعروف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة” اتفاقا عمليا رغم عيوبه، هدفه كسب الوقت وتقليص البرنامج النووي الإيراني وتأخير وصوله إلى السلاح. وكان في الواقع حلا ضروريا أكثر منه مثاليا.

النظام الإيراني، بوصفه نظاما دينيا استبداديا، يتبنى خطابا عدائيا تجاه إسرائيل والولايات المتحدة، ويواصل دعم شبكات من الحلفاء والوكلاء الذين يشتركون في هذا التوجه. ولا يُظهر أي اهتمام حقيقي بتغيير جذري في العلاقات مع واشنطن. بل إن الحرب الأخيرة عززت هذا الموقف، وجعلت القيادة الإيرانية أكثر تشددا وأقل استعدادا لأي اتفاق قد يضعف قبضتها على السلطة.

حتى الاتفاقات المحدودة، مثل تحسين الاتفاق النووي الذي كان ممكنا بعد انسحاب ترامب من الاتفاق الأصلي عام 2018، تبدو اليوم أقل احتمالا.

 

 واشنطن تفقد زمام المبادرة

المفارقة أن العنصر الأكثر تحولا في هذه الحرب جاء من قرار إيران إغلاق مضيق هرمز، وليس من الولايات المتحدة. فإيران التي استخدمت المضيق سابقا كورقة ضغط اقتصادية وسياسية، تسعى الآن للاحتفاظ بهذا النفوذ. وكما أشار ريتشارد تاكيه من مجلس العلاقات الخارجية، فإن إيران تنظر إلى المضيق باعتباره “قناة بنما الخاصة بها”، ولن تتخلى عنه بسهولة أو مجانا.

وهذا يضع إدارة ترامب أمام خيارات صعبة:

* الاستمرار في الحصار أملا في دفع إيران إلى التراجع

* أو شن حملة عسكرية بحرية وجوية واسعة لإعادة فتح المضيق

* أو التوصل إلى اتفاق محدود يقضي بفتح المضيق مقابل تخفيف الحصار، على أن تُترك القضايا الكبرى لاحقا

كما أفادت تقارير بأن أجهزة الاستخبارات الامريكية تعد تقييما لكيفية تعامل إيران مع إعلان امريكي أحادي النصر، لكن احتمال الانسحاب الأحادي يبدو ضعيفا.

القاسم المشترك بين هذه الخيارات أن الولايات المتحدة فقدت زمام المبادرة، وأصبحت تتحرك ضمن قواعد اللعبة الإيرانية وفي ساحة صراع تحددها طهران. كما أن خيار تغيير النظام لم يعد مطروحا عمليا.

 

خلاصة:

هذه الحرب، مهما طال أمدها، تبدو أقل كحسم نهائي وأكثر كحلقة جديدة في صراع طويل بين واشنطن وطهران، حيث لا نصر حاسم ولا تسوية نهائية في الأفق.

 

عامل نتنياهو

بغض النظر عن حجم التأثير الذي كان لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب، فإنه لن يكون عاملا حاسما في تحديد كيفية انتهاء هذه الجولة. ومع ذلك، لا تزال إسرائيل في موقع يمكّنها من ضمان استمرار الصراع الامريكي–الإيراني بأشكال مختلفة في جولات مقبلة.

فيما يتعلق بإيران، تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل الكثير من القواسم المشتركة، لكنهما في قضية واحدة يختلفان جذريا: كأنهما “المريخ والزهرة”. فإسرائيل ترى أن امتلاك إيران لسلاح نووي يشكل تهديدا وجوديا، بينما لا ترى الولايات المتحدة الأمر بالطريقة ذاتها. وإذا أضفنا إلى ذلك شبكة الوكلاء الإيرانيين، خصوصا حزب الله، فإن النتيجة هي حالة من التوتر والصراع المستمر طالما بقي النظام الإيراني الحالي في السلطة. وفي هذا السياق، تبدو إسرائيل وكأنها “الذيل الذي يحرك الكلب” في ما يتعلق بالسياسة الامريكية تجاه إيران.

لكن في المقابل، هناك حدود لهذا الدور. فقد تراجعت مصداقية نتنياهو وجهاز الاستخبارات الإسرائيلي “الموساد”، لأن الحرب لم تنتهِ كما وُعدت، ولم تؤدِ إلى انهيار النظام الإيراني سريعا. كما أن استمرار القصف الإسرائيلي على لبنان سيبدأ قريبا بإثارة انزعاج الرئيس دونالد ترامب، لأنه يضيف تعقيدات غير مرغوبة إلى أزماته الداخلية والدولية.

 

 تفوق إيران النسبي

طرح عالم السياسة آي. وليام زارتمان نظرية تقول إن تسوية النزاعات تصبح أكثر احتمالا عندما يصل الطرفان إلى “جمود مؤلم متبادل”، أي عندما يدرك كل طرف أنه لا يستطيع تحقيق النصر، وأن كلفة استمرار القتال مرتفعة جدا، فيبدأ البحث عن مخرج تفاوضي. عندها فقط تصبح الأزمة قابلة للتسوية أو التهدئة.

لكن في الحالة الراهنة، لا الولايات المتحدة ولا إيران تعتقدان أنهما في موقف ضعف. كلاهما يظن أنه يمتلك اليد العليا، وكلاهما مستعد لتحمل الكلفة، ولا أحد منهما يرى طريقا واضحا نحو اتفاق.

غير أن هناك اختلالا أساسيا في تعريف “النصر” يمنح طهران أفضلية نسبية. فقد تكبدت إيران خسائر عسكرية تقليدية كبيرة وتراجعت طموحاتها النووية، لكن معيار “النصر” لديها يتمثل في بقاء النظام واستمرار قدرته على التأثير في مضيق هرمز.

أما الولايات المتحدة، فهدفها يتمثل في فرض قيود حاسمة ونهائية على البرنامج النووي الإيراني، بشكل أكثر صرامة من الإدارات السابقة. لكن هذا الهدف يظل صعب التحقيق طالما بقي النظام الإيراني قائما، حتى لو كان ضعيفا.

 

 غياب مخرج واضح

ليس من المؤكد وجود مخرج دبلوماسي حتى الآن، رغم استمرار محاولات الوساطة عبر أطراف مثل باكستان. لكن الفجوات بين الطرفين لا تزال كبيرة.

كما أن هذه المفاوضات لا يمكن أن تُدار بشكل عابر أو سطحي عبر مبعوثين يعملون بشكل جزئي أو عبر خطط سريعة أو رسائل مختصرة؛ بل ستكون مفاوضات طويلة ومعقدة وشاقة.

والحقيقة الواضحة اليوم هي أن الولايات المتحدة، رغم قوتها العسكرية الهائلة كقوة عالمية، فشلت في فرض إرادتها على قوة إقليمية متوسطة تستخدم أدوات غير متكافئة سياسيا واقتصاديا وعسكريا.

وقد نجحت إيران في اتباع استراتيجية “الإجهاد التدريجي” مع الإدارات الامريكية المتعاقبة، وهي الآن تواجه رئيسا يبحث عن نتائج سريعة وإنجازات فورية. وكما يقول بعض المحللين، فإن حرب الخيارات هذه قد تجعل من أطلقها يتمنى لو لم يبدأها أصلا.

* آرون ديفيد ميلر، باحث أول في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

*دانيال كيرتزر، السفير الامريكي السابق لدى مصر وإسرائيل


03/05/2026