×


  المرصد الايراني

  الحرب على ايران وتداعياتها على سياسات الطاقة عالميا



*سهير الشربيني

 

*انترريجيونال للدراسات الاستراتيجية

في خضم التحولات العميقة التي شهدها النظام العالمي للطاقة، على خلفية الحرب في الشرق الأوسط، وما ترتب عليها من إغلاق فعلي لمضيق هرمز الذي يعتبَر أحد أهم الممرات الحيوية لتدفقات النفط والغاز؛ أثيرت تساؤلات حول فرص تسريع عملية تحول الطاقة، للخروج من حالة عدم اليقين التي انتابت الأسواق العالمية، بيد أن آثار أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب قد تباينت تداعياتها بين مختلف الأقاليم؛ فبينما تواجه بعض المناطق نقصا حادا في الوقود، تعاني أخرى من ارتفاعات كبيرة في الأسعار وتداعيات اقتصادية ممتدة؛ ما انعكس بالتبعية على طرق تعامل الحكومات مع الأزمة، واختلاف سياسات الطاقة المنتهَجة عالميا.

 

انعكاسات متعددة

ثمة تداعيات مباشرة وغير مباشرة أفرزتها الحرب في الشرق الأوسط على أسواق الطاقة عالميا، يمكن الوقوف على أبرزها على النحو التالي:

 

1- فرض سياسات تقنين الطاقة في جنوب شرق آسيا:

 أدى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية إلى ما يعرف بـ"تدمير الطلب"؛ حيث أصبحت الحكومات في جنوب شرق آسيا مجبرة على تقليص الاستهلاك عبر إجراءات تقشفية لمواجهة نقص الوقود، مثل تقليص أيام العمل، أو تبني سياسات تقنين الطاقة؛ ما ترتب عليه وقوع الحكومات تحت ضغوط مالية متزايدة من جراء ارتفاع تكاليف دعم الطاقة، في حين تحملت الأسر والصناعات أعباء مالية متصاعدة.

فعلى سبيل المثال، اتخذت الحكومة الفلبينية إجراءات استثنائية، من بينها تقديم دعم نقدي للعاملين في قطاع النقل العام، فضلا عن توجيه المؤسسات الحكومية لخفض استهلاك الكهرباء والوقود بنسبة تتراوح بين (10%) و(20%). وعلى الرغم من هذه التدابير، انعكست الزيادات السعرية بشكل مباشر على مستويات المعيشة؛ حيث تراجعت دخول العاملين في القطاعات المرتبطة بالطاقة، وارتفعت تكاليف النقل والغذاء؛ ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية لدى شرائح واسعة من السكان.

 

2- تزايد الطلب على مصادر الطاقة التقليدية في بعض الدول الآسيوية:

 مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال، اضطرت بعض الدول الآسيوية إلى زيادة الاعتماد على الفحم الذي يمكن تأمينه محليا أو إقليميا، كوسيلةٍ لتفادي انقطاعات الكهرباء ولحماية المستهلكين من صدمات الأسعار؛ فبينما رفعت كوريا الجنوبية القيود المفروضة على إنتاج الطاقة من الفحم، تستعد تايلاند لإعادة تشغيل وحدتَين لتوليد الكهرباء بالفحم كانت الحكومة التايلاندية قد أوقفتهما سابقا. وفي الهند التي تعتمد فعليا بشكل كبير على الفحم، توسعت استخداماته بها ليحل محل غاز الطهي.

وقد أثار هذا الاتجاه مخاوف بشأن ما يعرف بـ"الاحتباس الكربوني"؛ حيث تستمر البنية التحتية الجديدة للوقود الأحفوري في العمل لعقود طويلة؛ ما يعمق الاعتماد عليه، ويؤخر التحول نحو الطاقة النظيفة.

 

3- تبني أوروبا سياسات قصيرة الأجل للتخفيف من حدة تكاليف الطاقة:

كشفت الأزمة الراهنة عن بعد جديد لمفهوم أمن الطاقة في أوروبا؛ إذ لم يَعد مرتبطا بتوافر الإمدادات فقط، بل بقدرة الاقتصادات على امتصاص تقلبات الأسعار أيضا؛ فقد أدت الزيادات الحادة في تكاليف الطاقة إلى تفاقم الضغوط التضخمية والتحديات التنافسية للصناعة؛ ما دفع الحكومات إلى تبني سياسات قصيرة الأجل، مثل تقديم الدعم وخفض الضرائب على حساب الاستثمار الطويل الأمد في مجال تحول الطاقة. وقد كشف ذلك بدوره عن توتر واضح بين متطلبات الاستقرار الفوري وأهداف التحول الهيكلي نحو أنظمة طاقة أكثر استدامة في أوروبا بصفة عامة.

من جانب آخر، اتجهت عدد من التحليلات الأوروبية للإشارة إلى أن الحل يكمن في تسريع التخلي عن الوقود الأحفوري، وتعزيز الاعتماد على الطاقة النظيفة، باعتبار أن ذلك طريق نحو تحقيق "استقلال الطاقة"، إلا أن هذا المسار لا يخلو من التحديات من وجهة النظر الأوروبية؛ إذ تظل الصين المورد الرئيسي للتكنولوجيا النظيفة والمعادن الأساسية؛ حيث تنتج النسبة الكبرى من الألواح الشمسية، وتتحكم في جزء كبير من عمليات تكرير المعادن النادرة والمواد المستخدَمة في البطاريات.

 

4- استفادة منتجي الطاقة في الولايات المتحدة وكندا والبرازيل من الأزمة:

يبرز نصف الكرة الغربي كأحد المستفيدين المحتملين من هذه الأزمة؛ إذ تتيح ندرة الإمدادات العالمية فرصة لمنتجي الطاقة في الولايات المتحدة وكندا والبرازيل وغيانا لتعزيز حصصهم السوقية وجذب الاستثمارات، بيد أن تلك الفرص غير متكافئة؛ إذ تظل الدول التي تفتقر إلى بيئات تنظيمية مستقرة، أو تعاني من اختلالات هيكلية في قطاع الطاقة، أقل قدرة على الاستفادة من التحولات الجارية في السوق العالمية.

ومن الأمثلة الدالة على ذلك البرازيل؛ فرغم دعمها الراسخ لمصادر الطاقة النظيفة، فإنها تواجه تحديا هيكليا يتمثل في وجود نقص حاد في خطوط النقل القادرة على استيعاب الفائض الكهربائي الناجم عن زيادة الإنتاج في المشاريع الجديدة، وهو ما يجبِر مشغلي الشبكة على تقليص إنتاج بعض المشاريع.

 

5- استئناف بعض الدول الأفريقية خططها الإنتاجية في قطاع الطاقة:

 بالرغم من الآثار الفورية لأزمة الطاقة على أفريقيا، بما في ذلك ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة، ومن ثم تفاقم تحديات الأمن الغذائي، فإن الأزمة على الجانب الآخر فتحت آفاقا جديدة لبعض الدول الأفريقية الغنية بالموارد الطبيعية لتعزيز موقعها في أسواق الطاقة العالمية، مستفيدة من توجه الدول المستهلِكة نحو تنويع مصادر الإمداد، غير أن هذه الفرص تبقى مرهونة بقدرة الدول الأفريقية على جذب الاستثمارات وتطوير بنيتها التحتية، في ظل احتمالات تراجع التمويل الخارجي.

جديرٌ بالذكر أن عدة مشاريع كانت متوقفة أو متعثرة في أفريقيا قد عادت إلى مسار التنفيذ؛ فبينما أحرزت دول مثل ناميبيا وموزمبيق وتنزانيا تقدما في تنفيذ خططها الإنتاجية، تواصِل كل من نيجيريا وأنجولا رفع مستويات إنتاجهما من النفط والغاز الطبيعي، فيما بدأت مشروعات الغاز الطبيعي المسال في حوض "روفوما" الواقع في شرق أفريقيا في استعادة زخمها. أضف إلى ذلك اقتراب بدء أوغندا في تصدير النفط عبر خط أنابيب النفط الخام لشرق أفريقيا الممتد إلى السواحل التنزانية؛ إذ إنه من المقرر بدء التشغيل الفني لخط الأنابيب في يوليو 2026، مع توقعات ببدء التصدير الفعلي في أكتوبر من العام ذاته.

 

6- إبطاء الاستثمار في البنية التحتية الخضراء من جراء أسعار الفائدة المرتفعة:

 تؤدي الصدمات المتكررة في أسعار الطاقة الناجمة عن التوترات الجيوسياسية، إلى تعطيل خطط البنوك المركزية المرتبطة بأسعار الفائدة، في ظل ارتفاع معدلات التضخم عالميا؛ ما يشكل تحديا كبيرا أمام مسار تحول الطاقة؛ حيث تدفع أسعار الفائدة المرتفعة إلى إبطاء الاستثمار في البنية التحتية الخضراء، نتيجة زيادة تكاليف الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة التي تتطلب نفقات رأسمالية كبيرة في مراحلها الأولى.

وفي هذا الصدد، يقترح الخبراء أن تقوم البنوك المركزية بإنشاء آليات تمويل خضراء موجهة، تسمح بفصل تكلفة تمويل الطاقة النظيفة عن تقلبات أسعار الفائدة العامة، بما يضمن استمرار الاستثمار في مجال تحول الطاقة في ظل أي توترات جيوسياسية طارئة.

 

7- بروز تحديات أمام نقل المعادن الحرجة اللازمة لتقنيات الطاقة المتجددة:

 أسفرت الاختناقات في مضيق هرمز عن خلق صعوبات كبيرة أمام نقل المعادن الأساسية اللازمة لصناعة تقنيات الطاقة المتجددة، مثل الألمنيوم المستخدم في الألواح الشمسية، لا سيما في ظل الأهمية النسبية التي يحظى بها الشرق الأوسط في إنتاج هذه المواد عالميا؛ ما نجم عنه تقليص الإنتاج في بعض منشآت الطاقة المتجددة. ومن شأن استمرار تلك الأوضاع لفترة طويلة أن يبطئ وتيرة بناء القدرات الجديدة للطاقة النظيفة عالميا.

 

سيناريوهات متوقعة

ثمة مسارات محتملة في سياق تحول الطاقة، يمكن إجمالها في ثلاثة سيناريوهات رئيسية؛ وذلك على النحو التالي:

 

1- تسريع مسار تحول الطاقة:

ينطلق ذلك السيناريو من فرضيةٍ مفادها أن أزمات الطاقة تخلق بدورها زخما سياسيا يسمح بتسريع الإصلاحات، مثل تسهيل التراخيص لمشروعات الطاقة المتجددة، وتعزيز كفاءة الطاقة، ودعم التحول نحو المركبات الكهربائية، إضافة إلى تحفيز الدول على السعي نحو الاستقلال الاستراتيجي عبر تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية، كما أن زيادة تقلب أسعار الوقود الأحفوري ترفع المخاطر المالية المرتبطة بالاستثمار فيه؛ ما يعزز فرص التحول نحو البنية التحتية النظيفة.

وقد أظهرت الحرب في الشرق الأوسط أن التحول الأخضر لم يَعد خيارا نظريا، بل ضرورة تشغيلية عاجلة؛ إذ يدفع أي حدث جيوسياسي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط الخام؛ ما ينعكس على تكاليف الإنتاج والنقل والزراعة، ومن ثم تفاقم معدلات التضخم عبر مختلف قطاعات الاقتصاد. وفي هذا السياق، تجد البنوك المركزية نفسها عاجزة نسبيا؛ لأن أدواتها التقليدية مصممة لمعالجة التضخم الناتج عن الطلب، وليس الصدمات المرتبطة بالعرض.

 

2- عرقلة الحرب فرصَ التحول المستدام للطاقة:

 وفق ذلك السيناريو، فإن الحرب من شأنها أن تسهم في تقويض البيئة اللازمة للتحول المستدام للطاقة؛ إذ تدفع أزمات الطاقة بصفة عامة الحكومات إلى التركيز على تأمين الإمدادات القصيرة الأجل، بما يشمل زيادة الاعتماد على الوقود الأحفوري أو تمديد عمر محطات الطاقة التقليدية.

كما تؤدي حالة عدم اليقين الملازمة للتوترات الجيوسياسية إلى ارتفاع تكاليف التمويل والتأمين والنقل؛ ما يبطئ تنفيذ مشروعات الطاقة النظيفة، ويزيد من هشاشة سلاسل إمداد المعادن الحرجة نتيجة القيود التجارية، ويرفع تكاليف الشحن بالتبعية، وهو ما يشكل عائقا مباشرا أمام تحقيق أهداف الحياد الصفري، والمضي قدما في تحقيق تحول الطاقة المستدام.

 

3- تأثير مرحلي مرتبط بمدة الصراع وشدته:

يرتبط هذا السيناريو بطبيعة الصراع من حيث مدته وحدته، إضافة إلى السياسات المتبعة واستراتيجيات تأمين الموارد من جانب الحكومات؛ إذ قد تحفز الصدمة القصيرة الأجل الإصلاحات، وتسهِم في تسريع الاستثمار في الطاقة النظيفة. وعلى الجانب الآخر، قد يؤدي الصراع الممتد إلى ترسيخ التضخم وتعطيل سلاسل الإمداد؛ ما يترتب عليه تباين في استجابات الحكومات بين سياسات تدعم التحول الهيكلي نحو الطاقة النظيفة وأخرى تركز على استقرار إمدادات الوقود الأحفوري، فيما يبقى تأمين المعادن الحيوية وتعزيز الاقتصاد الدائري عاملَين حاسمَين في تحديد وتيرة ذلك التحول.

إجمالا، كشفت الحرب على إيران عن تحول عميق في بنية نظام الطاقة العالمي؛ إذ لم يَعد التحدي مقتصرا على مجرد الانتقال إلى مصادر الطاقة النظيفة، بل يمتد ليشمل كيفية إدارة هذا الانتقال في ظل توازنات جيوسياسية جديدة، كما أظهرت الحرب أن التنويع وحده لم يَعد كافيا لضمان أمن الطاقة، بل أضحت الأولوية موجهة نحو تعزيز مرونة الأنظمة وقدرتها على التكيف مع الصدمات الممتدة.

وفي هذا الإطار، يمكن القول إن المسار المستقبلي لهذه التحولات يتوقف بدرجة كبيرة على كيفية موازنة الدول سياساتها بين الاستجابة العاجلة للأزمات ومتطلبات التحول الهيكلي الطويل الأجل؛ إذ يمكن للحرب أن تدفع باتجاه تسريع الحياد الصفري عبر تعزيز مبررات أمن الطاقة من بوابة التحول الأخضر، لكنها في الوقت ذاته قد تعرقل مسار تحول الطاقة إذا استمرت اضطرابات أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، وارتفعت تكاليف التمويل.


03/05/2026