×


  کل الاخبار

  كوردستان، حين يصبح الوطن قدر الإنسان



*عماد أحمد

 

 

*ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى

قبل أن يولد الإنسان، يكون منتميا إلى العالم كله، بلا حدود، بلا اسم، وبلا هوية،لكن ما إن يفتح عينيه على الحياة، حتى يبدأ العالم بالتسلل تدريجيا إلى قلبه، ليصبح وطنا.

هذا ليس مجرد تحول جسدي، بل هو انقلاب روحي عميق، رحلة من انعدام الجذور إلى التجذر، ومن اللاتعيين إلى الهوية. الوطن هو ذلك النفس الذي يتدفق بين التاريخ والإحساس، هو الأرض التي تحتضن الإنسان، وفي الوقت نفسه تحلق به نحو سماء الخيال.

في رحلة العمر، يتغير لون الوطن ومعناه، لكن جوهره يبقى ثابتا، ففي لحظة الولادة، يتمثل في حليب الأم، ذلك المصدر الأول للحياة والانتماء، وفي مرحلة الطفولة، يصبح يد الأب، تلك القوة والطمأنينة التي تمنع عواصف الحياة من أن تزعزعنا.

وفي سن الشباب، يتحول إلى حب الحبيب، وكأن كل جمال الأرض قد تجمع في نظرة واحدة، وعندما يتقدم العمر ونبلغ محطة الشيخوخة، يصبح الوطن جامعا للذكريات، ومرآة نرى فيها ماضينا وماضي أمتنا. وأخيرا، في لحظة الوداع، نعود إلى تلك المقبرة المقدسة التي، كحضن الأم، تحتضننا مرة أخرى، بينما تبقى كوردستان كما هي.

من منظور فلسفي، الإنسان بلا جذور هو إنسان بلا هوية، وإذا انفصل عن أرضه، يصبح كالشجرة التي لا جذور لها، تسقط مع أبسط ريح، وقد قال الحكماء: "من لا يعرف تاريخه، يفقد مستقبله." وتكتسب هذه المقولة معنى أعمق في كوردستان، لأن تاريخ هذه الأرض لم يكتب فقط في صفحات الكتب، بل سجل في قلوب الناس وعلى صدر الأرض بالدم والنضال.

بالنسبة لي، الوطن ليس مجرد ذكرى من الماضي، بل هو "الماضي والحاضر والمستقبل" معا، واسمه كوردستان، هذا الانتماء متجذر في مدننا وجبالنا. فجبالنا ليست مجرد صخور، بل شهادات صامتة للعصور، وحراس لهيبة التاريخ.

أما المدن، مثل خانقين، فهي بيان للبقاء، خانقين ليست مجرد مدينة، بل تاريخ حي يجري في دمائنا. وعندما تنظر إلى نهر (الون)، تدرك كيف يمكن للوطن أن يعبر عن الاستمرارية من خلال جسد نهر. فنهر (الون)، برفقه وحنيته، ينقل حكايات الجبال إلى البساتين، تلك التي أصبحت موطنا للسكينة والإبداع،هذه هي الفلسفة التي تجعل قلب الإنسان الكوردي ينبض، أينما كان، على ضفاف الأنهار وقمم الجبال.

الوطن ليس قطعة أرض نمتلكها، بل نحن أنفسنا ذلك الوطن..

فإذا فقدنا كوردستان، لن نخسر مجرد مكان على الخريطة، بل سنفقد جزءا من قلوبنا. كوردستان هي المكان الذي تبدأ فيه الحياة، وتستمر في الذاكرة، هي الأرض التي تعيش في الدم والذكريات، لا في الحدود والخرائط فقط.

إن حماية كوردستان ليست حماية أرض فحسب، بل حماية لمعنى الوجود، وخدمة الوطن هي خدمة لتاريخنا في المستقبل.

باختصار: قبل الولادة، الوطن هو العالم كله؛ وبعد الولادة هو حليب الأم؛ في الطفولة هو يد الأب، في الشباب هو حب الحبيب،في الشيخوخة هو الذكريات، وفي الموت هو المقبرة. لكن بالنسبة لي، في كل هذه المراحل، يبقى هو كوردستان.


30/04/2026