*العرض: محمد شيخ عثمان
في كتابه “وهج التاريخ”، يقدم الكاتب السياسي"عماد احمد "نصا يتجاوز حدود السيرة الذاتية التقليدية، ليتحول الى شهادة حية على مرحلة مفصلية من تاريخ الحركة الكردية، حيث تمتزج التجربة الشخصية بالتحولات السياسية الكبرى، لا سيما مرحلة ما بعد انهيار ثورة ايلول وبروز ملامح “الثورة الجديدة” التي ارتبطت بتأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني وحيث يتداخل الخاص مع العام، والذاتي مع الجمعي، في سرد يعكس مسيرة نضال شعب وقضية، وليس مجرد تجربة فرد.
الكتاب لا يروي حياة كاتب بقدر ما يستحضر روح مرحلة، تلك التي شهدت ولادة مشروع سياسي جديد تمثل في الاتحاد الوطني الكردستاني، وما حمله من رؤى وتجديد في اساليب النضال والتنظيم. ومن خلال هذا التداخل، يصبح “الوهج” هنا رمزا لذاكرة مشتعلة، لم تخمد رغم التحولات والتحديات.
تكمن اهمية “وهج التاريخ” في قدرته على تحويل السرد الشخصي الى وثيقة تاريخية، فالكاتب لا يروي حياته بوصفها مسارا فرديا، بل بوصفها جزءا عضويا من مسيرة نضال جماعي، تشكل عبر المعاناة، والعمل السري، والصدام مع السلطة.
لا تنتمي هذه المذكرات الى النمط التقليدي للسير الذاتية، بقدر ما تنتمي الى ما يمكن تسميته “التاريخ المعاش”، حيث تتداخل السيرة الفردية مع السرد الجمعي، ويتحول الخاص الى مدخل لفهم العام. فالكاتب لا يضع نفسه بطلا مركزيا، بل جزءا من شبكة نضالية واجتماعية وسياسية معقدة، تتقاطع فيها مسارات المناضلين، والعمل السري، والقمع، والانكسارات، ومحاولات النهوض من جديد. ومن خلال هذا التداخل، يكتسب النص قيمة توثيقية تتجاوز حدود الذاكرة الشخصية، ليصبح شهادة على زمن لم يوثق بما يكفي في المصادر الرسمية.
تكمن اهمية هذا النمط من الكتابة في كونه يفتح الباب امام قراءة التاريخ من الداخل، لا من خلال القرارات الكبرى والبيانات السياسية فقط، بل عبر تفاصيل الحياة اليومية للفاعلين فيه: الفقر، الخسارة، الخوف، والعمل الصامت داخل التنظيمات، والعلاقات الانسانية التي تشكلت في قلب الخطر.
كما ان استحضار شخصيات هامشية من بيئة خانقين، كما ورد في الكتاب، لا يمثل مجرد حنين الى الطفولة، بل هو استعادة للبعد الاجتماعي للنضال، وتأكيد على ان التاريخ لا تصنعه النخب وحدها، بل يشارك في صياغته ايضا اولئك الذين بقوا خارج الضوء.
والاهم من ذلك، ان “وهج التاريخ” يكسر ثنائية التمجيد والانكار، فلا يقدم سيرة مبرأة من الاخطاء، ولا خطابا دعائيا، بل نصا مفتوحا على التناقضات، يعترف بالانكسار كما يوثق الصمود. وهذا ما يمنحه صدقية نادرة، ويجعله اقرب الى كتابة تاريخ غير رسمي، تاريخ ينهض على الذاكرة الحية، لا على الانتقاء او اعادة الصياغة.
بهذا المعنى، لا يكتفي الكتاب باستعادة الماضي، بل يساهم في مساءلته، ويفتح افقا لفهم اعمق لكيفية تشكل الوعي السياسي والاجتماعي في كردستان والعراق، من خلال تجربة فرد تحولت—بفعل الصدق والتجربة—الى مرآة لجيل كامل.
بالامكان القول انه في زمن تتزاحم فيه السير الذاتية التي تميل الى تمجيد اصحابها او تبرير مساراتهم، يأتي كتاب “وهج التاريخ” لعماد احمد ليخرج عن هذا النسق، ويقدم نموذجا مختلفا من الكتابة، لا يكتفي بسرد حياة فرد، بل يعيد تركيب مرحلة كاملة من تاريخ النضال الكردي من داخل التجربة ذاتها.
وهنا لابد من ذكر خمسة حقائق حول مضمون هذا الكتاب :
اولا: اهمية الكتاب – من الذاكرة الفردية الى التاريخ الجمعي
تكمن اهمية هذا الكتاب في كونه يوثق مرحلة لم تحظ بالاهتمام الكافي في الكتابات التاريخية، خاصة ما يتعلق ببدايات التنظيمات اليسارية الكردية، مثل “العصبة”، ودورها في التمهيد لانطلاقة الاتحاد الوطني.
اذن ، الكتاب يقدم شهادة مباشرة عن العمل التنظيمي السري في بغداد وخانقين.و توثيقا لمرحلة القمع البعثي، بما فيها الاعتقالات والتعذيب وانهيار بعض الشبكات وعرضا لتجربة “الصقر الاحمر” بوصفها شكلا من اشكال المقاومة المسلحة داخل المدن وفي الوقت نفسه قراءة انسانية لاثر النضال على الافراد، من الفقر المبكر الى تحمل المسؤولية.
والاهم ان الكاتب يكتب بواقعية وصدق، بعيدا عن التجميل او المبالغة، وان النص يعكس “معاناة فعلية وواقعية” عاشها المؤلف بنفسه.
ثانيا: ما جاء في مقدمة ماموستا جعفر
مقدمة ماموستا جعفر (فاضل احمد كريم) تشكل قراءة فكرية وسياسية عميقة للكتاب، ويمكن تلخيص اهم محاورها في:
1. عماد احمد كشخصية استثنائية:يرى ماموستا جعفر ان المؤلف ليس مجرد سياسي، بل تجربة انسانية صنعت نفسها بنفسها، منذ فقدان الاب في سن مبكرة وتحمل مسؤولية العائلة، وصولا الى مواقع قيادية دون سند عشائري او مالي.
2. الفرق بين السياسي والكاتب: يشير الى ان كثيرا من السياسيين يفشلون في توثيق تجاربهم، بينما يتميز هذا الكتاب بكونه يحول التجربة الى مادة قابلة للفهم والتحليل، دون الوقوع في تضخيم الذات او تبرير الاخطاء.
3. قيمة التوثيق الصادق:ينتقد المذكرات التي تكتب بروح تبريرية او انتقامية، ويؤكد ان كتاب عماد احمد يختلف، لانه يوثق “الجوانب العامة للنضال” ويهدف الى حفظ الذاكرة الجماعية.
4. البعد السياسي:يعرض امثلة من لقاءات المؤلف مع شخصيات دولية مثل جو بايدن ومحمد حسنين هيكل، ليبرز كيف تتقاطع التجربة الكردية مع التوازنات الاقليمية والدولية.
5. توثيق المجتمع المحلي:يشيد بتركيز الكاتب على شخصيات بسيطة من محلة “جلوه”، معتبرا ذلك نوعا من حفظ التاريخ الاجتماعي الذي غالبا ما يهمل.
ثالثا: ما جاء في مقدمة عماد احمد (من خلال المتن)
من خلال الصفحات الاولى، يمكن استخلاص ملامح رؤية المؤلف:
1. الكتاب محاولة لفهم الماضي بعين الحاضر، مع صعوبة الفصل بين العاطفة والتحليل.
2. الطفولة في خانقين تمثل مركز الذاكرة والهوية.
3. فقدان الاب شكل نقطة تحول حاسمة نحو تحمل المسؤولية مبكرا.
4. المعاناة ليست مجرد حدث، بل عنصر في تشكيل الشخصية النضالية.
رابعا: شرح لابرز عناوين المقالات (الفصول)
1. قمة الرقص في حافة الهاوية: عنوان يحمل دلالة رمزية على العيش في ظروف خطرة، حيث يكون النضال اشبه بالرقص فوق حافة السقوط، في اشارة الى العمل السياسي السري والمخاطر اليومية.
2. ابي، نجم حياتي:يتناول فيه علاقة المؤلف بوالده، وتأثيره العميق في تشكيل شخصيته، ثم صدمة فقدانه المبكر، وما ترتب عليها من تحول جذري في مسار حياته.
3. الشقاء في عمر طاهر من الادران: يعرض فيه معاناة الطفولة بعد وفاة الاب، والعمل المبكر، والفقر، الى جانب التحولات السياسية في العراق مثل انقلاب 1963، وتأثيرها على المجتمع المحلي.
4. (محور الشخصيات – ضمن فصول لاحقة):مثل: سالم- عيدان- ملا نظر
وهي نماذج من المجتمع المحلي في خانقين، يستخدمها الكاتب لعرض البعد الاجتماعي للنضال و معاناة الناس البسطاء و اثر السياسات القمعية على الحياة اليومية .
5. (محور النضال والتنظيم) ويتناول:
- العمل في تنظيم العصبة.
-الثورة الكردستانية وما بعدها
- تأسيس البدايات الاولى للاتحاد الوطني
-تجربة “الصقر الاحمر”
- الاعتقال والتحقيق
-الانهيار والاختراق التنظيمي
-العودة الى العمل والنضال
-الانتفاضة والتحولات الجديدة (1991)
- التجربة السياسية والمؤسساتية
-العلاقات السياسية والفكرية
يكشف هذا الفهرس ان الكتاب مبني على ثلاثة محاور رئيسية:
1.محور شخصي: الطفولة، العائلة، المعاناة
2. محور اجتماعي: المدينة، الشخصيات، المجتمع
3. محور سياسي: النضال، التنظيم، التحولات
وبهذا التداخل، يتحول الكتاب من مجرد سيرة الى سرد تاريخي حي يوثق مرحلة كاملة من الداخل.
خامسا: الخلاصة
بهذا البناء، لا يبدو "وهج التاريخ" مجرد كتاب ذكريات، بل خارطة زمنية لنشوء وعي سياسي، وتجربة نضال تتقاطع فيها الذات مع التاريخ، لتقدم للقارئ سيرة جيل، لا سيرة فرد فقط. ليصبح وثيقة سياسية واجتماعية، تجمع بين الذاكرة الشخصية و التاريخ الكردي الحديث وكذلك تجربة النضال السري والمسلح واخيرا التحولات الفكرية والتنظيمية، وهو بذلك يقدم مادة مهمة لفهم نشأة “الثورة الجديدة” بقيادة الاتحاد الوطني الكردستاني، من داخل التجربة، لا من خارجها.
اسم الكتاب: وهج التاريخ
المقدمة : ماموستا جعفر
الترجمة" د.بندر علي اكبر
النشر:بورد التوعية / مكتب الاعلام والتوعية للاتحاد الوطني
العام: 2026