*فيصل علي
التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية لحملات الإبادة في كوردستان العراق
في الفترة الممتدة بين شباط وأيلول من عام 1988، نفّذ النظام البعثي بقيادة صدام حسين ثمانية مراحل متتالية من العمليات العسكرية الممنهجة استهدفت المناطق الكوردية في شمال العراق، عُرفت بـ«حملات الأنفال». كانت هذه الحملات جريمة إبادة جماعية موثّقة بشهادات الناجين وسجلات النظام ذاته، خلّفت آثارا بالغة العمق في بنية المجتمع الكوردي لا تزال تتردد أصداؤها حتى اليوم.
1.الخراب الاقتصادي
استهدفت حملات الأنفال البنية الاقتصادية الريفية الكوردية في صميمها؛ إذ دمّر الجيش العراقي آلاف القرى وأحرق الحقول وسمّم الآبار ونسف المنازل والمخازن والطواحين. كانت تلك القرى تُمثّل عماد الاقتصاد الزراعي والرعوي الكوردي الذي تشكّل عبر قرون من التراكم والتكيّف.
هُجّر مئات الآلاف قسرا نحو مجمّعات سكنية أُقيمت في مناطق صحراوية معزولة، حُرم فيها السكان من الأرض والماشية وأدوات العمل. فقدت الأسر ثرواتها المتراكمة دفعة واحدة، وبات الاعتماد الكلّي على المساعدات الإنسانية هو سبيل البقاء الوحيد. أما إعادة الإعمار التي أعقبت سقوط النظام عام 2003، فقد واجهت تحديا تاريخيا غير مسبوق، وتجاوزت كلفتها بمراحل ما أتاحته الموارد المتاحة.
كذلك أسهمت الهجرة الداخلية والخارجية القسرية في استنزاف رأس المال البشري الكوردي؛ فقد فرّ الأطباء والمهندسون والمعلمون هربا من القتل والاعتقال، تاركين وراءهم فراغا مهنيا عميقا لم يُسدّ إلا جزئيا بعد عقود.
٢-التفكّك الاجتماعي
لم تكن حملات الأنفال حربا بالمعنى التقليدي؛ بل كانت عملية ممنهجة لتفكيك النسيج الاجتماعي الكوردي من جذوره. مُزّقت عائلات بأكملها: أُعدم الرجال ميدانيا أو اختفوا في المعتقلات، وأُرسلت النساء والأطفال والعجائز إلى معسكرات الاحتجاز. ظلّت آلاف الأسر دون معرفة مصير ذويها لسنوات وعقود.
أُتلفت شبكات القرابة والعلاقات القبلية التي كانت تُشكّل الإطار التنظيمي للمجتمع الريفي. وحين عادت بعض الأسر إلى ما تبقى من قراها، وجدت مجتمعاتها قد تبعثرت بين المنافي والمجمّعات والمقابر الجماعية. كذلك تضرّر الدور التقليدي للمرأة الكوردية تضررا بالغا؛ إذ اضطرت النساء الناجيات إلى حمل أعباء رعاية الأسرة وحيدات في سياق من الفقر والخوف والغياب القسري للرجل.
«كنّا ثلاثة وعشرين شخصا نغادر القرية في فجر يوم واحد. عدت بعد ست سنوات وحيدة. لم أجد حجرا في مكانه».
3-الجروح النفسية العابرة للأجيال
ربما كانت التداعيات النفسية الأشد صمودا عبر الزمن. يعاني الناجون من حملات الأنفال بنسب مرتفعة جدا من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، والاكتئاب المزمن، وصعوبات بالغة في الثقة بالآخر وإقامة روابط اجتماعية طبيعية. كثير منهم عاشوا عقودا كاملة دون أن يتلقّوا أي رعاية صحية نفسية.
الأشد وطأة هو ما باتت العلوم النفسية الحديثة تصطلح عليه بـ«الصدمة العابرة للأجيال»؛ فقد نقل الآباء الناجون أعباءهم النفسية غير المعالجة إلى أبنائهم عبر أنماط التنشئة والعلاقات الأسرية والذاكرة الجماعية. وثّقت أبحاث ميدانية أُجريت في كوردستان ارتفاعا ملحوظا في معدلات القلق والعنف الأسري وتدني الثقة بالمؤسسات في المناطق الأكثر تضررا، حتى بين الأجيال التي لم تعاصر الأحداث مباشرة.
فضلا عن ذلك، أحدث غياب التوثيق القانوني والاعتراف الدولي الكامل المبكر شعورا بالعدمية وعدم الجدوى، حال دون تحقيق الأثر العلاجي الذي توفّره محاكمات العدالة الانتقالية في مجتمعات أخرى. المفقودون لا يزالون مفقودين، والمقابر الجماعية لم تُفتح كلّها بعد، والجروح تنزّ حتى اليوم.
الذاكرة المقاومة
في عام 2010، اعترف البرلمان العراقي رسميا بأن حملات الأنفال كانت إبادة جماعية. وسبق ذلك اعتراف عدد من البرلمانات الأوروبية. غير أن الاعتراف القانوني وحده لا يُغني عن بناء منظومة متكاملة للعدالة الانتقالية والدعم النفسي والتعويض المادي وإعادة التأهيل المجتمعي.
في ذكرى الأنفال، يتجدد السؤال الأخلاقي: كيف تحيا مجتمعات تُدار في صمت، أحلامها وجروحها معا؟
الجواب يبدأ بالذاكرة الحية التي ترفض النسيان، وبالضغط المستمر من أجل محاسبة كاملة، وبإتاحة الرعاية النفسية للناجين وذويهم في كل مكان وجدوا فيه أنفسهم.
الأنفال ليست فصلا مغلقا في كتاب التاريخ؛ هي حاضر ما زال يُكتب في عيون من فقدوا ولم يُعوَّضوا، ومن نجوا ولم يُشفوا.