*محمد شيخ عثمان
ليست السياسة ميدانا للعناد، ولا ساحة لتصفية الحسابات عبر الشعارات، بل هي فن إدارة التوازنات وبناء الثقة وتثبت الوقائع أن من يجيد هذا الفن هو من يحصد النتائج، لا من يلوذ بخطاب التهديد والإنكار والتخوين.
حين نجح الاتحاد الوطني في نسج تحالفات وطنية رصينة، وتثبيت تفاهمات برلمانية عابرة للمكونات، تمكن من كسب ثقة الأغلبية لمرشحه لمنصب رئاسة الجمهورية. لم يكن ذلك انتصارا لحزب بقدر ما كان انتصارا لنهج التوافق، الذي يعكس روح الدستور ويستجيب لتعقيدات الواقع السياسي، في المقابل، وجد البارتي نفسه أمام هزيمة سياسية واضحة، لم يحسن قراءتها، فلجأ إلى خطاب متوتر يعيد إنتاج شعارات مستهلكة وتهديدات لاتسندها الوقائع.
المفارقة الصارخة تكمن في ازدواجية المعايير،فليس منطقيا أن يفرض خيار الاتفاق على مرشح معين لرئاسة الجمهورية، في حين يحرم الاتحاد الوطني من حقه الطبيعي في مناقشة أو طرح مرشح آخر لرئاسة حكومة الإقليم غير مسرور بارزاني، خاصة وأن الوقائع والمعطيات أثبتت أن هذه الكابينة تُعد من أكثر الحكومات إثارة للجدل والإخفاق في تاريخ الإقليم.
أما في كركوك، فإن الرئيس بافل نجح في ديمومة وثبات المسار الواقعي عبر مبدأ التدوير والتوازن بين مكوناتها الكردية والتركمانية والعربية ضمن إطار الشراكة الحقيقية، وهذا النهج، الذي أسس له الرئيس الراحل مام جلال، لم يكن مجرد تسوية سياسية، بل رؤية استراتيجية لضمان الاستقرار والتعايش، وهنا راينا تكرار نفس الحالة الهستيرية للبارتي ازاء كركوك وسط زخم شعورها بالهزيمة مرة اخرى ليبت بمحاولات التشويش الإعلامي وإثارة النزعات القومية الضيقة واطلاق شعارات التخوين للاتحاد الوطني وكأن باقي المكونات ليس لهم الحق في المشاركة في ادارة المحافظة .
يخطئ البارتي خطأ جسيما إذا توهم أن ضبط النفس الذي يبديه الاتحاد الوطني مرده عجز أو ضعف،فالحقيقة أن هذا الموقف ينبع من شعور عال بالمسؤولية الوطنية تجاه وحدة الإقليم وتماسك الصف الكردستاني، وليس من عدم القدرة على الرد، خاصة وان تاريخ البارتي سابقا وحاضرا مليء بمطبات واخفاقات لا يمكن أن تكون مصدر فخر، غير أن منطق المسؤولية يفرض الارتقاء بالخطاب، لا الانزلاق به، والعمل على حماية ما تبقى من جسور الثقة بدل إحراقها في معارك إعلامية عقيمة.
في الأعراف السياسية الرصينة، الاعتراف بالخطأ ليس ضعفا، بل فضيلة، أما الهروب إلى الأمام عبر التخوين وتبادل الاتهامات، فليس سوى تعبير عن عجز في قراءة الواقع، وفشل في تحمل المسؤولية ومن يرفض مراجعة أخطائه، إنما يكررها، ويقود نفسه ومن معه إلى مزيد من الإخفاقات.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا يجني البارتي من هذه الحالة من “هستريا الهزائم”؟ هل يحقق مكاسب، أم يفتح أبوابا جديدة لخسارات متتالية؟ والمؤكد أن زمن التفرد والتسلط قد تراجع، وأن المعادلات الجديدة في العراق وكردستان لم تعد تقبل بسياسة فرض الإرادة أو احتكار القرار .
مانحتاجه اليوم ليست إعادة إنتاج الأزمات، بل إلى إعادة بناء الثقة، وترميم الوحدة الكردستانية التي تشكل صمام أمان لمواجهة التحديات، فالأزمات لا تحل بالانقسام، ولا تدار بعقلية الإقصاء، بل عبر الشراكة الحقيقية، والحوار المسؤول، واستلهام الدروس من التجارب.
وفي نهاية المطاف، يبقى التاريخ قاسيا في حكمه: لا يرحم من يصر على تكرار أخطائه، ولا يمنح مكانا إلا لمن يملك شجاعة المراجعة، وإرادة الإصلاح.