×


  رؤى حول العراق

  هل يقود العراق مسار التهدئة في لجة النار؟



*د. جاسم حسين الخالدي

  لم يعد الحديث عن المواجهة الأمريكيّة الإسرائيليّة ضد إيران مجرد قراءات استراتيجيّة، بل انتقل إلى مرحلة الصدام المباشر، الذي أعاد صياغة موازين القوى في المنطقة. إنَّ العملية النوعيّة التي استهدفت العاصمة طهران، وأدّت إلى غياب المرشد الأعلى ومجموعة من القيادات العليا، لم تكن مجرد ضربة عسكرية تقنية، بل كانت استراتيجية تهدف إلى تقويض مركز القرار في إيران، وشل قدرة النظام على إدارة الأزمات الإقليمية.

إلا أن الرد الإيراني الذي أعقب العملية، الذي نجحت من خلاله الصواريخ والمسيرات في الوصول إلى العمق الإسرائيلي، أثبت أن المنظومة الدفاعية والعسكرية الإيرانية، تمتلك قدرة على الاستمرار وتجاوز صدمة فقدان القيادة، وهو ما تجلّى أيضا في اتساع رقعة الاستهداف، لتشمل المصالح المرتبطة بالطرفين في المنطقة، تأكيدا على معادلة الردع المتبادل.

وفي ظل هذا المشهد، برزت حقيقة جيوسياسية واضحة؛ وهي أنَّ المراهنة على تدخل القوى الدولية الكبرى لها سقف تفرضه المصالح القومية لكل طرف.

فروسيا، المنشغلة في صراعها مع الناتو في الساحة الأوكرانية، لم تتجاوز حدود الدعم السياسي والفني المحدود، بينما حافظت الصين على موقف المراقب الحذر انطلاقا من حساباتها الاقتصادية المرتبطة باستقرار إمدادات الطاقة.

هذا النأي بالنفس من الحلفاء الدوليين وضع طهران أمام خيار المواجهة المباشرة، ما دفعها لتوسيع دائرة الضغط العسكري لتشمل المسارات اللوجستية والمصالح الحيوية، وهو ما أدّى بدورهِ إلى تعثرِ قنوات الوساطة التقليديّة التي كانت تقودُها (مسقط) و(الدوحة)، نتيجة تأثر علاقاتهما الميدانيّة بتطورات الصراع.

هنا، وفي هذه اللحظة الحرجة، يبدو العراق ليس فقط بوصفهِ جغرافية مجاورة، بل هو مركز ثقل استراتيجي وحيد يمتلك القدرة على التواصل مع الأطراف كافة.

إنَّ العراق، يجد نفسه اليوم أمام مسؤولية إقليمية.

فبعد انحسار أدوار الوسطاء الآخرين، يبرزه دوره بوصفهِ ضرورة لمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة لا يمكن السيطرة على تداعياتها. بغداد اليوم هي الساحة الوحيدة المؤهلة لفتح قنوات اتصال تحت ضغوط العمليات العسكريّة، مستمدة قوتها من التوازن في علاقاتها الخارجيّة والحاجة الدوليّة لبوابة خلفيّة تمنع الانفجار الكبير.

إنَّ الوساطة العراقيّة المطلوبة اليوم تختلفُ عن سابقاتها؛ فهي دبلوماسيّة إدارة الأزمات المركبة. فالعراق يدرك تماما أنَّ أي اختلال كبير في أمن إيران سينعكس مباشرة على أمنه القومي، إنَّ المجتمع الدولي ينظر اليوم إلى بغداد بوصفها القناة الأخيرة المتاحة وسط دخان المواجهات، حيث يمكن للدور العراقي أنَّ يحوّل هذه الأزمة الكبرى إلى نقطة انطلاق لبناء نظام أمني إقليمي جديد، يكون فيه العراق هو الجسر والرابط بين الأطراف المتصارعة.

أمَّا بخصوص المآلات التي تنتظر هذا الصراع، فإنَّ المسار الأول يشير إلى احتمال ولادة نظام إقليمي جديد يتجاوز فكرة الهيمنة الأحادية. فقدرة الجبهة الداخليّة الإيرانيّة على امتصاص الصدمة الأولى، واستمرار الفاعليّة العسكريّة في العمق، قد يدفع القوى العالمية، وعلى رأسها واشنطن، إلى القبول بالأمر الواقع والاعتراف بإيران بوصفها قوة إقليميّة ذات قدرات ردع فوق تقليديّة، وفرض شروطها في أي معادلات أمنية قادمة تتعلق بالممرات المائيّة والطاقة، وهو ما سيعزز من دور العراق بوصفه حليفا استراتيجيّا وشريكا في إدارة هذا التوازن الجديد.

أما المآل الآخر فيتمثل في دخول المنطقة في نفق حرب استنزاف مفتوحة تتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية، حيث تتحول المصالح الأمريكية والإقليمية إلى أهداف دائمة. هذا السيناريو يفترض أن غياب المسارات الدبلوماسية الجادة سيحول ردود الفعل العسكرية إلى حالة مستدامة تنهك الاقتصاد العالمي وتضع الأطراف كافة في حالة استنزاف بنيوي.

وفي هذا المسار، لن تجد الأطراف الدولية مفرا من البحث عن مخرج آمن للتهدئة، وهو مخرج لا تمر بوابته إلا عبر بغداد، مما يضع الدولة العراقية أمام قدرها التاريخي لتكون المهندس لاتفاق يضمن وقف العدوان ويؤسس لمرحلة جديدة تكون فيها السيادة والقرار لأهل المنطقة بعيدا عن التدخلات الخارجية المباشرة.

بعيدا عن أزيز الطائرات ودوي الانفجارات، ينتظر هذا الصراع مآلٌ لا يقلُّ خطورة، وهو الانتقال إلى مرحلة (الاشتباك السيبراني الكامل) الذي قد يسبق أو يرافق أي تهدئة سياسية. إن التفوق التقني الذي أظهره الطرفان يشير إلى أن المواجهة القادمة قد تستهدف الأعصاب الحيوية للدول؛ من شبكات الطاقة والمياه إلى النظم المصرفية والملاحة الجوية.

إن أهم المآلات الجوهريّة لهذه الحرب، هو التغيير الجذري في مفهوم (الحماية الدولية)؛ حيث أثبتت الوقائع الميدانية أن الاعتماد المطلق على القوى العظمى (سواء الغربيّة أو الشرقيّة) لم يعد كافيا لضمان استقرار الدول في لحظات الأزمات الكبرى.

هذا المآل سيدفع دول المنطقة، وفي مقدمتها العراق وإيران ودول الخليج العربي، نحو صياغة أمن ذاتي يعتمد على المصالح المتبادلة بدلا من المظلات الخارجية.

 إن نجاح العراق في إدارة هذا الملف المعقد سيجعل منه مركزَ ثقلٍ في بناءِ بنيةٍ أمنيةٍ إقليميةٍ مستقلةٍ، تدرك فيها واشنطن وتل أبيب أن المنطقة لم تعد ساحة مفتوحة لتغيير المعادلات بضربات جوية، بل أصبحت محكومة بتوازنات أرضيّة صلبة، تجعل من التفاوض مع طهران، بوساطة عراقيّة، الخيار الوحيد القابل للحياة لضمان تدفق الطاقة واستقرار الأسواق العالمية.

*شبكة الاعلام العراقي


15/03/2026