*كلارا بروكيرت وكولين ب كلارك
مجلة"فورين بوليسي"/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
كانت واشنطن في حالة حرب مع الجهاديين السنة طوال عقدين خلال ما عرف بالحرب العالمية على الارهاب. واليوم، ومع انخراط كل من الولايات المتحدة واسرائيل في صراع كبير مع ايران، قد يبدو ان نهاية النظام الاسلامي في ايران تقترب.
لكن اذا انهار هذا النظام، فقد تكون النتيجة موجة عارمة من التطرف الشيعي تنتشر عبر العالم.
في اواخر فبراير، اسفرت ضربة اسرائيلية عن مقتل المرشد الاعلى لايران علي خامنئي، احد اهم القادة في الاسلام الشيعي وتجسيد نظام ولاية الفقيه الذي يمزج بين السلطة الدينية والسياسية. وقد يؤدي اغتياله المستهدف الى تحفيز موجة من المقاتلين في مختلف انحاء الشرق الاوسط. فقد دخل حزب الله في لبنان بالفعل في المواجهة، ومن المرجح ان تنخرط الميليشيات الشيعية في العراق وكذلك حراك الحوثيين في اليمن في الصراع تبعا لمسار الضربات الامريكية الاسرائيلية وقدرة ايران على الدفاع.
ستواصل الولايات المتحدة واسرائيل ضرب ايران والحرس الثوري الاسلامي، مستهدفتين القيادات في الجيش والاجهزة الاستخبارية والامنية، على الاقل الى حين ايجاد مخرج دبلوماسي. ومع القضاء على كل وحدة من وحدات الحرس الثوري، سيتدهور مستوى القيادة والسيطرة على الجماعات الوكيلة في المنطقة. لكن وعلى نحو قد يبدو متناقضا، قد يجعل ذلك هذه الجماعات اكثر خطورة واندفاعا.
استراتيجية الدفاع الايرانية القائمة على "الفسيفساء" تتوافق اصلا مع نمط لامركزي. لكن المزيد من الاستنزاف قد يدفع هذه الجماعات الوكيلة الى التركيز اكثر على اولوياتها الخاصة، التي قد تبدأ في الابتعاد عن توجهات طهران.
واذا انقسمت هذه الجماعات، فقد يفتح ذلك الباب امام بيئة تهديد جديدة تتسم باستخدام تكتيكات ارهابية دون وجود استراتيجية عامة متماسكة. كما قد يؤدي تفكك الجماعات الشيعية المتطرفة الى زيادة الهجمات، اذ تتحول جماعات كانت تعمل ضمن هياكل هرمية منظمة الى جماعات لامركزية تعتمد على ميزتها الاساسية: الارهاب.
حزب الله والوكلاء الاخرون
سيكون حزب الله ووكلاء ايران الاخرون مصممين على مواصلة القتال. فهذه الحرب بالنسبة لهم تشبه معركة كربلاء الحديثة، عندما قُتل الامام الحسين بن علي عام 680 ميلادية على يد قوات الخليفة الاموي يزيد بن معاوية. بالنسبة لهذه الجماعات، يرتبط القتال بثقافة الشهادة، ولذلك فان اكثر العناصر تشددا لن تهرب او تختبئ بل ستسعى الى القتال والموت بشرف.
وقد يؤدي بقاء بقايا من الحرس الثوري مع جماعات وكيلة في حالات من الفوضى الى تنفيذ هجمات ضد اهداف امريكية او يهودية في مختلف انحاء العالم. وقد تشبه هذه الهجمات عمليات حزب الله في الارجنتين في اوائل التسعينيات، او تفجير ابراج الخبر في السعودية عام 1996، او الهجوم في بلغاريا عام 2012.
وقد تسعى الجماعات المرتبطة بايران ايضا الى تقليد عمليات تنظيم القاعدة مثل تفجيرات سفارتي الولايات المتحدة في شرق افريقيا عام 1998، او تنفيذ هجمات ضد الفنادق والمواقع السياحية والاهداف المدنية حول العالم.
شبكة الميليشيات الشيعية
ضمن استراتيجيتها الدفاعية وسياستها الخارجية، امضت ايران سنوات طويلة في بناء وتدريب وتسليح ميليشيات شيعية في الشرق الاوسط. وخلال الحرب الاهلية السورية التي بدأت عام 2011، جندت ايران نحو خمسين الف مقاتل شيعي من افغانستان وباكستان ضمن لواء فاطميون ولواء زينبيون. وقد لعبت هذه الوحدات دورا مهما في الاستراتيجية الايرانية خلال الحرب السورية، كما استمرت اهميتها لاحقا ضمن الخطط الاقليمية لطهران.
وقد استخدمت ايران كثيرا من هذه الجماعات الوكيلة، مثل كتائب حزب الله في العراق، لقمع الاحتجاجات الداخلية ايضا.
لكن في حال غياب فيلق القدس الذي كان يوجه هذه الجماعات، فانها ستحتاج الى اتجاه جديد، وقد تجده عبر تنفيذ عمليات ارهابية ضد النظام الاقليمي الجديد الذي قد يظهر بعد نهاية الحرب.
وقد يكون احد السيناريوهات المحتملة ان تتحول ايران الى دولة تسيطر فيها مجموعات متشددة من الحرس الثوري وانصارها على مناطق مختلفة، بينما تتنافس جماعات اخرى على النفوذ والسلطة.
صراعات داخلية محتملة
بعد عمليات اغتيال قيادات التنظيمات المسلحة غالبا ما تنشأ صراعات داخلية على السلطة. فعندما اغتالت الولايات المتحدة قائد فيلق القدس قاسم سليماني في بغداد عام 2020 مع القائد العسكري للحشد الشعبي ابو مهدي المهندس ، بدأت الميليشيات الشيعية في العراق التنافس على النفوذ والموارد داخل الهيكل الذي كان يضبطها سابقا.
وقد تبدأ هذه الجماعات ايضا في التنافس فيما بينها، وربما تلجأ الى اعمال عنف اشد لاثبات تفوقها وجذب الانصار والمجندين.
عوامل ظهور التطرف
شهدت موجات الجهاد السني خلال العقود الاربعة الماضية عاملا اساسيا يدفع الناس الى الانضمام، وهو وجود قوات اجنبية على اراض اسلامية. وقد كان الغزو السوفييتي لافغانستان عام 1979، ووجود القوات الامريكية في السعودية بعد عام 1991، وغزو العراق عام 2003، عوامل اساسية في تجنيد عناصر لتنظيم القاعدة وغيرها من الجماعات الجهادية.
وقد تنتج حرب ايران ظروفا مشابهة اذا شعر الشيعة بالتهميش او تعرضت ايران لهجمات من دول الخليج ذات الغالبية السنية.
الدعاية والتمويل
من عوامل جذب المجندين في التنظيمات الجهادية وجود ايديولوجيا عالمية واضحة، وقيادات كاريزمية، وحوافز مالية، وشعور بالانتماء. وقد ربطت افكار الجهاد السلفي بين الصراعات المحلية ومشروع عالمي واسع.
لكن اللاهوت الشيعي يختلف عن ذلك، اذ يجد صعوبة في توحيد الجماعات المختلفة تحت عقيدة واحدة، حتى ضمن ما يعرف بمحور المقاومة. ولذلك كانت انماط العنف لدى الجماعات الشيعية غالبا مرتبطة بالاهداف السياسية للدولة الايرانية اكثر من ارتباطها بعقيدة موحدة.
كما لعبت الدعاية دورا مهما في نشر افكار الجماعات الجهادية، خاصة عبر الآلة الاعلامية لتنظيم الدولة الاسلامية. ورغم ان دعاية الجماعات الشيعية ليست عالمية بالدرجة نفسها، فان لها قنواتها الخاصة. فقد اطلقت كتائب حزب الله مؤخرا حملة دعائية لتجنيد انتحاريين ضد اهداف امريكية في حال اندلاع حرب بين واشنطن وطهران.
من ناحية اخرى، تعتمد الجماعات الشيعية المرتبطة بايران على التمويل الحكومي الايراني. فميزانية حزب الله السنوية المقدمة من ايران تقدر بمئات الملايين من الدولارات. كما يعتمد الحوثيون ايضا على شحنات السلاح الايرانية. وفي عام 2025، خلال العمليات الامريكية ضد الحوثيين في البحر الاحمر، طلبت الجماعة دعما ماليا من ايران بعد تعرضها لازمة مالية.
ورغم ان هذه الجماعات تدير انشطة مالية غير مشروعة لتمويل نفسها، فان هذه الموارد لا يمكن ان تعوض الدعم الايراني الكامل. وقد يؤدي نقص التمويل الى زيادة الاعتماد على التكتيكات الارهابية التي لا تحتاج الى موارد كبيرة.
خلاصة
هناك عوامل عديدة قد تسهم في ظهور موجة جديدة من التطرف الشيعي في الشرق الاوسط، من بينها الرغبة في الانتقام، والتفكك التنظيمي، والسعي لاثبات الوجود. ويعتقد الكاتبان ان الولايات المتحدة وحلفاءها في الخليج غير مستعدين للتداعيات المحتملة لما قد يحدث لاحقا.
** كلارا بروكيرت، باحثة في قضايا الامن والتدخلات الخارجية والتكنولوجيا والارهاب
**كولين بي كلارك، مدير الابحاث في The Soufan Group وزميل باحث في The Soufan Center
* مجلة Foreign Policy
المقال: *The Iran War Could Spark a New Era of Global Shiite Extremism*