×


  المرصد الامریکي

  التصعيد في الحرب يخدم ايران



*روبرت .ا. بيب

مجلة"فورين افيرز"/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

اظهرت الساعات الاولى من عملية "الغضب الملحمي" — الهجوم العسكري المشترك بين الولايات المتحدة واسرائيل ضد ايران الذي انطلق في 28 فبراير — المدى الاستثنائي الذي بلغته الحروب الدقيقة الحديثة. فقد ادت الضربات الامريكية والاسرائيلية الى مقتل المرشد الاعلى لايران اية الله علي خامنئي، الى جانب كبار قادة الحرس الثوري الاسلامي ومسؤولين رئيسيين في الاستخبارات، فيما وصفته واشنطن وتل ابيب بانه ضربة حاسمة تهدف الى شل بنية القيادة في طهران وزعزعة استقرار النظام.

لكن خلال ساعات قليلة تبددت اي امال في ان تؤدي الضربات الدقيقة التي استهدفت القيادة الى حصر نطاق الحرب. فقد اطلقت ايران مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة ليس فقط نحو اسرائيل بل عبر الخليج ايضا. ودوت صفارات الانذار في تل ابيب وحيفا. واصطدمت صواريخ باعتراضات دفاعية فوق الدوحة وابو ظبي. وفي قاعدة العديد الجوية في قطر — المقر الامامي للقيادة المركزية الامريكية — لجا الافراد الى الملاجئ بينما كانت الصواريخ الاعتراضية تنطلق في السماء. كما دخلت الدفاعات الجوية في القواعد الامريكية في الظفرة بالامارات وعلي السالم في الكويت في حالة تاهب. وافادت قاعدة الامير سلطان الجوية في السعودية بوصول طائرات مسيرة معادية. وبالقرب من مقر الاسطول الخامس الامريكي في البحرين وضعت القوات البحرية في حالة انذار مرتفع.

وكان للرد الايراني تداعيات هائلة على الخليج، حيث اسفر عن مقتل مدنيين واغلاق مطارات وتهديد الملاحة البحرية وصادرات النفط وتشويه صورة المنطقة بوصفها واحة للاستقرار والامان. فقد اشتعل حريق في فندق شهير على الواجهة البحرية في دبي بعد سقوط حطام طائرة مسيرة تم اعتراضها على طوابقه العليا. وذكرت السلطات الكويتية وقوع اضرار قرب مرافق مطار مدني. ووفقا لتقارير اخبارية تعرضت عدة ناقلات نفط لضربات قرب مضيق هرمز، ما دفع اقساط التامين على الشحن عبر الخليج الى الارتفاع. وبعد وقت قصير من اندلاع الصراع قفزت العقود الاجلة للنفط بشكل حاد مع تسعير المتداولين لاحتمال حدوث اضطراب طويل في احد اهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم.

ولا يمكن اعتبار الضربات الايرانية مجرد ردود انتقامية مشتتة او انفجار غضب من نظام يحتضر. بل تمثل استراتيجية تصعيد افقي تهدف الى تغيير رهانات الصراع عبر توسيع نطاقه واطالة مدته. وتسمح هذه الاستراتيجية لطرف اضعف بتغيير حسابات خصم اقوى. وقد نجحت في الماضي على حساب الولايات المتحدة. ففي فيتنام وصربيا رد خصوم الولايات المتحدة على التفوق الجوي الامريكي الساحق بتصعيد افقي، ما ادى في الحالة الاولى الى هزيمة امريكية، وفي الثانية الى احباط اهداف الحرب الامريكية واندلاع اسوا موجة تطهير عرقي في اوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. والضربات التي تستهدف القيادة تحديدا تخلق حوافز قوية للتصعيد الافقي، فعندما ينجو النظام من فقدان قائده يتعين عليه اثبات صلابته بسرعة عبر توسيع الصراع. وعلى الرغم من ان الولايات المتحدة وجهت ضربات قاسية لايران، فان عليها ان تاخذ تداعيات الرد الايراني في الحسبان، والا ستجد نفسها تفقد السيطرة على الحرب التي بدات بها.

 

 

افاق بعيدة

يحدث التصعيد الافقي عندما توسع دولة النطاق الجغرافي والسياسي للصراع بدلا من تصعيده عموديا في ساحة واحدة. ويكون هذا الخيار جذابا بشكل خاص للطرف الاضعف في المواجهة العسكرية. فبدلا من محاولة هزيمة خصم اقوى في مواجهة مباشرة، يعمل الطرف الاضعف على مضاعفة ساحات المخاطر، جاذبا دولا اضافية وقطاعات اقتصادية وجماهير داخلية الى دائرة الصراع. ولا تستطيع ايران هزيمة الولايات المتحدة او اسرائيل في مواجهة عسكرية تقليدية، لكنها لا تحتاج الى ذلك. فهدفها هو تحقيق نفوذ سياسي اكبر.

 

وتتبع استراتيجية التصعيد الافقي نمطا معروفا:

اولا، اظهرت ايران قدرتها على الصمود. فقد كانت الضربات الامريكية الهادفة الى قتل القيادة تهدف الى شل الجيش الايراني. لكن باطلاقها ردودا واسعة النطاق خلال ساعات من فقدان المرشد الاعلى وكثير من كبار القادة، ارسلت طهران اشارة واضحة باستمرار القيادة والقدرة العملياتية.

ثانيا، وسعت ايران الصراع الى ما يتجاوز اراضيها بكثير، وهو ما يسميه الباحثون "مضاعفة التعرض". فبدلا من حصر الرد في اسرائيل فقط، استهدفت ايران او حاولت استهداف مواقع في تسع دول على الاقل، معظمها تستضيف قوات امريكية: اذربيجان، البحرين، اليونان، العراق، الاردن، الكويت، قطر، السعودية، والامارات العربية المتحدة. وكانت الرسالة واضحة: الدول التي تستضيف القوات الامريكية ستواجه عواقب خطيرة، والحرب التي بداتها اسرائيل والولايات المتحدة ستنتشر.

ثالثا، قامت ايران بتسييس الصراع من خلال ضرباتها. فقد ادت الهجمات الى اغلاق مطارات واحتراق ممتلكات تجارية ومقتل عمال اجانب وتعطيل اسواق الطاقة والتامين. واضطر قادة الخليج الى طمانة المستثمرين والسياح الاجانب. وانتقلت الحرب الى قاعات مجالس الادارة والبرلمانات. وفي الولايات المتحدة اثار اتساع نطاق الحرب قلقا لدى اعضاء الكونغرس. وهكذا دخل العديد من الفاعلين الجدد في الصراع، ولكل منهم مصالح مختلفة، وليس بينهم تنسيق كامل، وجميعهم قادرون على تغيير مسار التصعيد بما يتجاوز سيطرة واشنطن.

والبعد الاخير في استراتيجية ايران هو الزمن. فكلما شعرت دول متعددة بالضغط لفترة اطول، زادت احتمالات تصاعد السياسة داخل الدول الاقليمية وبينها. ومن دون وجود نسخة من حلف الناتو في الشرق الاوسط او جنرال امريكي واحد يدير العمليات العسكرية لجميع الدول المستهدفة من ايران، يزداد خطر سوء التنسيق. وقد طرح مسؤولون امريكيون مثلا فكرة تحفيز تمرد عرقي في المناطق الكردية من ايران لاستهداف الحرس الثوري. لكن ذلك قد يثير ردود فعل من العراق وسوريا وتركيا، وهي دول لا ترحب بتمرد كردي قوي في المنطقة. كما ان اسقاط ثلاث طائرات امريكية مؤخرا بنيران صديقة فوق الكويت يوضح المشكلات اللوجستية والتنسيقية التي تعرقل اي محاولة لاحتواء التصعيد الايراني في الخليج.

وقد عززت وزارة الخارجية الايرانية هذا المنطق علنا عندما وصفت وابل الصواريخ بانه رد مشروع ضد جميع "القوات المعادية" في المنطقة. وهذا التوصيف وسع مسؤولية الهجوم على ايران لتشمل النظام الاقليمي المتحالف مع الولايات المتحدة في الخليج، وليس اسرائيل وامريكا فقط. وعلى الرغم من ان الرئيس الايراني مسعود بزشكيان اعتذر لجيران الخليج عن الهجمات، فان تنصيب مرشد اعلى جديد مقرب من الحرس الثوري يوحي بان هذه الاشارات تكتيكية وليست دليلا على تخلي طهران عن استراتيجية التصعيد الافقي. فهذه الاستراتيجية في جوهرها سياسية، وهي موجهة الى الجمهور الذي تريد ايران التاثير فيه: الشعوب المسلمة في المنطقة التي قد لا تتبنى ايديولوجية ايران لكنها غالبا ما تنظر بسلبية الى اسرائيل.

 

مفاجاة مدوية

ليست عملية "الغضب الملحمي" المرة الاولى التي تعتقد فيها الولايات المتحدة ان التفوق الجوي الساحق قادر على فرض انهيار سياسي سريع. فقد كشفت حرب فيتنام حدود هذا الافتراض.

بحلول عام 1967 اسقطت الولايات المتحدة على فيتنام الشمالية كمية من القنابل تعادل ثلاثة اضعاف ما استخدمته في الحرب العالمية الثانية. وكانت عملية "الرعد المتدحرج" التي بدات عام 1965 تهدف الى كسر ارادة هانوي وتدمير قدرتها على مواصلة الحرب. وكانت واشنطن تتمتع بتفوق جوي هائل وسيطرة واضحة على التصعيد، ما يعني ان فيتنام الشمالية لم تكن قادرة على مجاراة الولايات المتحدة ضربة بضربة. وبحلول خريف 1967 دمرت القوة الجوية الامريكية شبكات الاتصال والمراكز العسكرية والصناعية الحيوية التي اعتقد انها تشكل اساس القوة العسكرية الفيتنامية الشمالية.

لكن بعد بضعة اشهر فقط، في يناير 1968، شنت القوات الفيتنامية الشمالية وقوات الفيتكونغ هجمات منسقة على اكثر من مئة مدينة وبلدة في فيتنام الجنوبية. واقتحمت مجمع السفارة الامريكية في سايغون. وخاضت معارك لاسابيع في مدينة هوي. وهاجمت عواصم المقاطعات في وقت واحد. وعلى الرغم من ان الهجوم كان مكلفا للقوات الشيوعية، فانه حطم الاعتقاد بان النصر الامريكي والفيتنامي الجنوبي بات قريبا.

وبعد فترة قصيرة اعلن الرئيس ليندون جونسون انه لن يترشح لولاية جديدة. وتراجعت ثقة الراي العام في ادارة الحرب. وتغير المسار السياسي للحرب رغم استمرار التفوق العسكري الامريكي.

 

عندما تخطئ الدقة الهدف

بعد ثلاثة عقود اعتمد حلف الناتو على نظرية مختلفة للقوة الجوية في حرب كوسوفو. فقد ركزت عملية "القوة المتحالفة" عام 1999 — التي خُطط لها اصلا كحملة جوية تستمر ثلاثة ايام لضرب 51 هدفا في بلغراد ومحيطها — على الضربات الدقيقة ضد الاصول العسكرية والقيادة الصربية. وكان القادة الغربيون يتوقعون حملة سريعة وناجحة تضعف النظام وربما تؤدي الى انهياره. بل سقطت قنابل حتى على مقر اقامة الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش.

لكن بلغراد ردت بارسال ثلاثين الف جندي صربي الى كوسوفو، ما ادى الى تهجير اكثر من مليون مدني من الالبان الكوسوفيين، اي نصف سكان الاقليم. وقد شكل هذا النزوح ضغطا كبيرا على الحكومات الاوروبية واختبر تماسك حلف الناتو. ولم تكن الولايات المتحدة والناتو يمتلكان قوة جوية تكتيكية كافية، ناهيك عن قوات برية، لوقف التطهير العرقي المدمر. وبعد اسابيع من النقاش حول خيارات التصعيد حشد الحلف نحو اربعين الف جندي لشن هجوم بري كبير. وعند هذه النقطة فقط — وبعد 78 يوما من الازمة المتواصلة والضغط الدبلوماسي الروسي والتهديد بغزو الناتو — رضخ ميلوسيفيتش.

انتهت حرب كوسوفو بنجاح للناتو، لكنها لم تكن سريعة، ولم تتحقق عبر الضربات الدقيقة وحدها. فقد كان التحمل السياسي وادارة التحالفات عاملين حاسمين. وفي كلتا الحالتين — قصف فيتنام الشامل والضربات الدقيقة ضد صربيا — احدثت القوة الجوية صدمة واضطرابا، لكنها لم تحدد النتائج السياسية تلقائيا. فقد وسع الخصوم نطاق الصراع او اطالوا مدته عبر التصعيد الافقي. ويبدو ان ايران تطبق هذا الدرس الان في الخليج.

 

وسائل طهران واهدافها

للرد الايراني اهداف سياسية واضحة:

اولا، تريد طهران كسر صورة حصانة الخليج. فمدن مثل دبي والدوحة تقدم نفسها للعالم كمراكز امنة للمال والسياحة والخدمات اللوجستية. وعندما تعطل انذارات الصواريخ العمليات في مطار دبي الدولي — احد اكثر المطارات ازدحاما في العالم — فان الضرر المعنوي يفوق بكثير اي ضرر مادي تسببه ايران. كما ان مقتل عمال اجانب في الامارات يبرز ان المدنيين لم يعودوا في امان في دول الخليج. وقد تجعل مشاهد الصواريخ الاعتراضية وهي تنفجر في سماء هذه المدن المستثمرين اكثر حذرا.

ثانيا، رفعت ايران التكلفة السياسية على دول الخليج لاستضافة القوات الامريكية. فمن خلال ضرب مواقع قرب قواعد العديد والظفرة والامير سلطان اشارت طهران الى ان التحالف مع واشنطن يعني التعرض للهجوم. ويضطر قادة الخليج الى موازنة التزاماتهم التحالفية مع الاستقرار الاقتصادي والداخلي.

ثالثا، تسعى ايران الى صياغة رواية حول النظام الاقليمي. فمن خلال تصوير تحركاتها كمقاومة لحملة امريكية اسرائيلية تهدف الى الهيمنة على المنطقة، تحاول طهران خلق فجوة بين قادة دول الخليج وشعوبهم، وهي فجوة قد تتسع كلما طال الصراع.

رابعا، تستغل ايران نقاط الاختناق الاقتصادية. فحوالي خمس شحنات النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز. وتشير بيانات الشحن الاولية الى ان حركة المرور عبر المضيق انخفضت بنحو 75 بالمئة منذ بداية الحرب. وحتى اضطراب جزئي ومستمر — عبر ضربات صاروخية او حوادث بحرية او ارتفاع تكاليف التامين — يخلق تاثيرات عالمية فورية ويزيد المخاوف من التضخم والضغط السياسي الداخلي في الولايات المتحدة واوروبا. ولا يتطلب تحقيق هذه الاهداف انتصارات عسكرية في ساحة المعركة، بل يتطلب فقط قدرة ايران على الصمود.

 

تكلفة الزمن

التصعيد الافقي لا يعني مجرد ضرب اهداف اكثر. فاثره العميق يتمثل في تغيير طريقة ادراك الخصم للمخاطر. ففي حرب قصيرة تقاس المخاطر بعدد الطلعات الجوية ونسب الاعتراض. اما في صراع طويل فتتوسع المخاطر لتشمل المجال السياسي.

فالحرب الطويلة ستجبر حكومات الخليج التي وسعت تعاونها الامني بهدوء مع اسرائيل على جعل هذا التحالف اكثر وضوحا، وهو امر محفوف بالمخاطر. فالراي العام العربي ما زال يعارض بشدة السياسة العسكرية الاسرائيلية في المنطقة. وكلما طال الصراع اصبح من الصعب على الحكام الحفاظ على هذا التعاون دون خسارة شرعيتهم الداخلية.

كما ان الحرب الطويلة ستعيد تشكيل السياسة الامريكية. فالضربة المفاجئة التي تستهدف القيادة قد تعزز الدعم للرئيس الامريكي مؤقتا، لكن استطلاعات الراي تشير الى ان غالبية الامريكيين تعارض الحرب بالفعل بعد اسبوع واحد فقط من بدايتها. ومع ارتفاع اسعار الطاقة وسقوط قتلى امريكيين وغموض الاهداف، قد تتزايد المعارضة الداخلية. كما ان قطاعات واسعة من القاعدة السياسية للرئيس دونالد ترامب حذرت من التورط في حروب الشرق الاوسط واتهمت القادة الامريكيين باتباع اسرائيل.

وقد تظهر ايضا توترات عبر الاطلسي. فالحكومات الاوروبية شديدة الحساسية لتقلبات الطاقة وضغوط الهجرة. واذا صعدت واشنطن بينما سعت العواصم الاوروبية الى احتواء الصراع فقد تتباعد المواقف. كما حدث في كوسوفو، فان وحدة التحالف تتطلب ادارة سياسية مستمرة. وقد تواجه الولايات المتحدة صعوبات كبيرة في مواصلة القصف اذا قررت الدول الاوروبية تقييد استخدام اراضيها للامداد الجوي. كما تشعر بريطانيا بالفعل بعدم الارتياح تجاه استخدام الولايات المتحدة لقاعدة دييغو غارسيا في عملياتها. وفي مقابل دعم اوروبا لحملتها ضد ايران قد تضطر واشنطن الى تقديم التزامات اكبر لاهداف اوروبية في اوكرانيا، ما قد يثير استياء قاعدة ترامب السياسية.

واخيرا، فان اطالة الحرب تضاعف التهديدات غير المتكافئة. فصراع ممتد في الخليج قد يشهد مشاركة جهات غير حكومية، خصوصا اذا تورطت قوات برية امريكية ولو بشكل محدود. وقد تستهدف جماعات مسلحة جديدة او قائمة قادة متحالفين مع العمليات الامريكية. وما بدا كتبادل صاروخي بين دول قد يتحول الى مشهد اوسع من العنف والاضطراب.

 

المفترق الاستراتيجي

اذا كانت استراتيجية ايران تقوم على توسيع الصراع وتسييسه، فان الولايات المتحدة تواجه خيارين.

المسار الاول هو التصعيد: يمكن لواشنطن تكثيف حملتها الجوية عبر نشر المزيد من الاصول الجوية لقمع قدرات اطلاق الصواريخ الايرانية وفرض سيطرة جوية موسعة. وقد يشبه ذلك فرض مناطق حظر الطيران على العراق في تسعينيات القرن الماضي، ما قد يتحول الى استراتيجية احتواء عسكري دائم قد تستمر سنوات. لكن السيطرة الجوية الدائمة لا تعني السيطرة السياسية، ومن دون ذلك ستظل ايران قادرة على تهديد المصالح الامريكية.

المسار الثاني هو انهاء الالتزام العسكري: يمكن لواشنطن اعلان تحقيق اهدافها وسحب قواتها الجوية والبحرية الكبيرة من محيط ايران. وعلى المدى القصير ستواجه ادارة ترامب انتقادات سياسية حادة لترك المهمة غير مكتملة. لكن هذا الخيار قد يسمح لها بالانتقال الى قضايا اخرى مثل الاقتصاد الداخلي والحد من الارتدادات السياسية للحرب.

وبذلك يجد ترامب نفسه امام معضلة: هل يتحمل تكاليف سياسية محدودة الان ام تكاليف اكبر وغير مؤكدة لاحقا. فلا يوجد مخرج مثالي يحقق مكاسب سياسية واضحة لواشنطن. فجميع الخيارات تنطوي على مخاطر، فالضربة الاولى ربما حلت مشكلة تكتيكية لكنها خلقت مشكلة استراتيجية.

لقد اظهرت الضربات التي قتلت القيادة الايرانية تفوقا تكتيكيا كبيرا. لكن التفوق التكتيكي ليس استراتيجية. فالرد الايراني — الواسع جغرافيا والمزعزع اقتصاديا والمحسوب سياسيا — يهدف الى تغيير بنية الصراع. فمن خلال توسيع ساحة الحرب واطالة امدها تنقل طهران المواجهة من صراع قدرات عسكرية الى صراع قدرة على التحمل السياسي.

وكما حدث في فيتنام قد تفوز الولايات المتحدة بمعظم المعارك. وكما في صربيا قد تنتصر في النهاية بعد ضغط طويل. لكن في كلتا الحالتين لم تكن القوة الجوية هي العامل الحاسم، بل سياسة الحرب المتوسعة.

لقد بدات المرحلة الحاسمة في هذه الحرب ليس مع الضربة الاولى، بل مع الازمة الاقليمية التي تلتها: تفعيل الدفاعات الجوية في عواصم متعددة، تعليق الرحلات الجوية، اضطراب الاسواق، وتوتر التحالفات. وما اذا كان هذا الصراع سيبقى حادثة محدودة ام سيتحول الى انتكاسة استراتيجية طويلة للولايات المتحدة سيعتمد ليس على الضربة الصاروخية التالية، بل على ما اذا كانت واشنطن ستفهم استراتيجية خصمها المتكشفة وترد عليها بوضوح مماثل.

*المصدر:Foreign Affairs – Robert A. Pape, *Why Escalation Favors Iran: America and Israel May Have Bitten Off More Than They Can Chew*, 9 March 2026

**روبرت ايه بيب هو استاذ العلوم السياسية ومدير مشروع جامعة شيكاغو حول الامن والتهديدات، وهو مؤلف كتاب القصف لتحقيق النصر: القوة الجوية والاكراه في الحرب.


12/03/2026