×


  شؤون دولية

  جنكيز جاندار يحلل تداعيات الحرب على إيران



 

يرى البرلماني التركي عن حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (الحزب الكردي) والكاتب الصحفي المخضرم جنكيز جاندار أن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي مع عدد من كبار قادته لا يعني انهيار النظام ولا سقوط الدولة الإيرانية، بل انتقالها إلى صفحة تاريخية جديدة مع بقاء البنية العميقة على حالها. فخامنئي، في تقديره، لم يكن «الحاكم الفرد» بقدر ما كان الاسم الذي التقت حوله مؤسسات النظام الكبرى، من الحرس الثوري إلى مجلس صيانة الدستور ومجلس الخبراء وبقية أجهزة الدولة العميقة، وبالتالي فإن غيابه لا يفكك هذه المنظومة، بل يدفعها إلى إعادة توزيع الأدوار داخل الإطار نفسه.

 

اولا:ايران شبكة مؤسسية متماسكة

 

في حواره مع الصحفي التركي روشن شاكر عبر يوتيوب، يستند جاندار إلى معرفته القديمة بالنظام الإيراني؛ إذ يذكر بأنه كان الصحفي الوحيد الذي أجرى مقابلة مع خامنئي عام 1982 عندما كان رئيسا للجمهورية، وأنه تحدث معه بالتركية الأذرية، ما أتاح له منذ وقت مبكر إدراك موقع الرجل في قلب الثورة الإسلامية وتراتبية السلطة في طهران. ويربط بين هذه الخلفية وبين قراءته الراهنة، ليؤكد أن إيران –على خلاف أنظمة فردية مثل نظامي صدام والقذافي– بُنيت على شبكة مؤسسية متماسكة تجعل من سقوط رأس النظام حدثا مفصليا، لكنه غير كافٍ لانهيار الكيان السياسي برمته.

 

ثانيا: طبيعة الحرب الراهنة واستراتيجية طهران

 

حرب مكلفة لواشنطن ومُدارة من تل أبيب

يعتبر جاندار أن الحرب الحالية ليست «حرب أمريكا» بل «حرب إسرائيل» التي جرت إليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأن هذا الأمر بات موضوع انتقاد صريح داخل الكونغرس والإعلام الأمريكي. ويشير إلى أن هدف طهران الاستراتيجي هو إطالة أمد الحرب لرفع كلفتها على الولايات المتحدة، اقتصاديا وسياسيا، عبر ضرب مراكز حساسة في الخليج حيث يتركز الجزء الأكبر من تدفقات الطاقة العالمية وحيث تتموضع مصالح أساسية للنظام المالي الدولي.

من هذا المنظور، يفسر جاندار اختيار إيران توجيه الضربات إلى منشآت وموانئ ومنصات في الإمارات وقطر والسعودية، رغم أنها ليست دولا معادية لها بالمباشرة، لأنها تمثل عقدة الطاقة والمال، وبذلك تتحقق معادلة «رفع كلفة الحرب على واشنطن من جيب الأسواق العالمية». ويرى أن استمرار تعطل المرور في هرمز وتزايد كلفة التأمين والشحن والتجارة البحرية، كما تعكسه قرارات شركات كبرى بتقليص أو وقف الملاحة إلى الخليج، يجعل الولايات المتحدة الحلقة الأضعف في معسكرها، لأنها تتحمل ارتداد الأزمة على الاقتصاد العالمي والرأي العام الداخلي.

 

بين «ردع نووي» و«تغيير النظام» وغياب الهدف الواضح

يلاحظ جاندار أن الخطاب الأمريكي تجاه إيران تبدل مرات خلال فترة وجيزة: منع التسلح النووي، ثم منع تطوير الصواريخ الباليستية، ثم الحديث عن «تغيير النظام»، ثم العودة إلى مسار تفاوضي عبر وساطات إقليمية، قبل أن يتجدد التصعيد. هذا التذبذب، في رأيه، يعكس غياب استراتيجية أمريكية متماسكة، ويُضعف شرعية الحرب في أعين جزء متزايد من الطبقة السياسية والرأي العام في الولايات المتحدة، حيث بدأ سياسيون بارزون من الجناح الجمهوري نفسه يتساءلون عما إذا كانت إسرائيل هي التي تقود السياسة الأمريكية في المنطقة.

ويرى جاندار أن إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، تنظر إلى هذه الحرب بوصفها معركة وجودية هدفها «إخراج إيران من المعادلة» أو دفعها إلى قاعها، تمهيدا لفرض هيمنة عسكرية وإقليمية جديدة تمتد آثارها إلى خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط برمته. ويُذكر بأن نتنياهو كان يصر منذ الهجوم الجوي الكبير عام 2025 على أن «المعركة مع إيران لم تنتهِ بعد»، وأن الجولة الحالية استمرار لمسار تصعيدي طويل لا مجرد رد فعل ظرفي.

 

ثالثا: صاروخ نُصِب في تركيا أم أخطأ الطريق؟

 

“لا مصلحة لإيران في استهداف تركيا”

فيما يتعلق بالصاروخ الذي سقط في الأراضي التركية، مع تضارب الروايات بين أنقرة، وحلف شمال الأطلسي، ومصدر تركي مجهول تحدث لوكالة أجنبية، يذهب جاندار إلى ترجيح الرواية الإيرانية التي تنفي استهداف تركيا وتؤكد أن الهدف كان قاعدة غربية خارج الأراضي التركية أو أن الصاروخ انحرف عن مساره. حجته الأساسية أن إيران، في ضوء استراتيجيتها، لا تملك أي مصلحة في فتح جبهة مباشرة مع تركيا أو تحويلها إلى عدو، حتى لو كانت أهدافها العسكرية الحقيقية –مثل قاعدة إنجرليك أو كورو‌جوك– تقع في نطاق الجغرافيا التركية.

ويذكر بأن طهران حريصة في تصريحاتها الرسمية على وصف أنقرة بـ«الدولة الصديقة»، وأن فتح مواجهة مع تركيا يعني عمليا فتح ثغرة استراتيجية في خاصرة إيران، وإتاحة فرصة ذهبية لإسرائيل لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية على حساب كل من أنقرة وطهران معا. من هنا، يدعو جاندار إلى التعامل بحذر مع الضجيج الإعلامي الذي صاحب حادثة الصاروخ، ويرى أن توظيفها في السجال الداخلي التركي يعكس رغبات سياسية أكثر مما يعكس معطيات عسكرية موضوعية.

 

ضباب الحرب وتضخم الدعاية

يشدد جاندار على أن «أول ضحايا الحرب هي الحقيقة»، وأن التمييز بين الوقائع والدعاية يصبح شديد الصعوبة في ظل تبادل الروايات، واتساع استخدام تقنيات التضليل، بما فيها الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي تنتج تحليلات وصورا ومقاطع مزيفة يجري تداولها على أنها حقائق. ويذكر بأن المقاربة المهنية تقتضي عدم الجزم بأي رواية إلا بوجود أدلة موثوقة، مع إدراك أن جميع الأطراف تستخدم الكذب والتضخيم جزءا من ترسانتها الحربية.

 

رابعا: الكرد في إيران… حدود الدور وحدود الوهم

 

الجغرافيا، التركيبة المذهبية، ومحدودية القدرة العسكرية

يرى جاندار أن السؤال عن «ماذا سيفعل الكرد في إيران؟» يتصدر اهتمام الإعلام الدولي، لكن الإجابة –في تقديره– أقل دراماتيكية مما تُصور بعض التقارير. فالمناطق الكردية الأساسية داخل إيران تتركز في محافظة كردستان، وأجزاء من محافظة أذربيجان الغربية ذات الأغلبية الكردية الكرمانجية، إضافة إلى مناطق متاخمة لإقليم كردستان العراق، وإلى كِرمانشاه ذات الغالبية الكردية الشيعية.

ويشير إلى أن البعد المذهبي في كِرمانشاه يحد من إمكانية تشكل حركة مسلحة واسعة النطاق هناك، مثلما أن التجارب السابقة –كتمرد ما بعد الثورة بقيادة عبد الرحمن قاسملو والشيخ عز الدين حسيني– بقيت محصورة جغرافيا ولم تتحول إلى حركة تهدد وحدة الدولة الإيرانية. كما يؤكد أن إيران، خلافا لعراق صدام أو ليبيا القذافي، لم تتعرض تاريخيا للتشظي، بل حافظت على حدودها الراهنة قرونا طويلة، وهو ما يجعل أي رهان على تفكيكها من الداخل «مغامرة سياسية وفكرية مبالغا فيها» على حد تعبيره.

 

ميزان القوى بين الحرس الثوري والفصائل الكردية

من الناحية العسكرية الصِرفة، يقدر جاندار أن مجموع القوة المسلحة الكردية الناشطة ضد طهران لا تتجاوز بضعة آلاف مقاتل: ما يقرب من ثلاثة آلاف عنصر لـ«بيجاك» (الفرع الإيراني للـحزب العمال الكردستاني) يمكن –في أقصى الحالات ومع التحاق عناصر إضافية– أن تُرفع إلى نحو خمسة آلاف، إضافة إلى نحو ألفي مقاتل تابعين للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (KDP-I)، وهم أقل تسليحا وتدريبا من وحدات «بيجاك». في المقابل، يقدر عدد مقاتلي الحرس الثوري والقوات النظامية القابلة للتعبئة السريعة بمئات الآلاف، مع خبرة قتالية تراكمت في حروب طويلة منذ ثمانينيات القرن الماضي.

لهذا يؤكد جاندار أن الحديث عن قدرة قوة كردية مسلحة بهذا الحجم على تغيير مسار الحرب أو تهديد مستقبل الدولة الإيرانية «يعبر عن مبالغة أكثر مما يعبر عن تحليل واقعي»، حتى لو حصلت هذه القوى على دعم استخباري أو لوجستي من الولايات المتحدة أو أطراف إقليمية. ويضيف أن البعد الطائفي والقومي، وكون الكرد السنة أقلية داخل كيان ذي هوية شيعية صلبة، يضاعف صعوبة أي محاولة لتوسيع نفوذ هذه الفصائل إلى عمق المجتمع الإيراني.

 

الكرد ورقة في يد واشنطن وتل أبيب… بلا ضمانات

يذهب جاندار إلى أن ما يُروج عن خطط أمريكية – وربما إسرائيلية – لاستثمار الورقة الكردية داخل إيران لا يقوم على استراتيجية متماسكة بقدر ما يقوم على «تكتيك استنزاف»، هدفه سحب جزء من القوة الإيرانية من مركز الدولة إلى الأطراف، لتخفيف الضغط على طهران إذا ما تعرضت لهجمات جديدة. ويذكر بأن سجل واشنطن في التعامل مع الحركات الكردية مثقل بأمثلة «الاستعمال ثم التخلي»، من تجربة الملا مصطفى البارزاني في سبعينيات القرن الماضي إلى تخلي الولايات المتحدة عن وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية في اللحظة الحاسمة أمام العمليات التركية في الشمال السوري.

من هنا يحذر جاندار من تحويل الكرد في إيران إلى أداة صريحة في خدمة استراتيجيات أمريكية أو إسرائيلية، لأن ذلك يعرضهم لاحتمال «مذابح واسعة» إن رأت طهران أن وحدات كردية مسلحة تُستخدم رأس حربة في مشروع يستهدف وحدة الدولة. ويعتبر أن التحريض على هذا المسار نوع من «دفع الكرد إلى الهاوية بحبل إسرائيلي»، وهو ما ينبغي –في رأيه– أن يواجه بأقصى درجات الحذر من جانب القوى الكردية نفسها.

 

خامسا: موقع تركيا بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة

 

“الحياد النشط”… خيار اضطراري لا رفاهي

يقيم جاندار سياسة أنقرة الحالية بأنها «الأكثر منطقية في حدود الممكن» في ظل التوازنات الراهنة، إذ تحرص تركيا على إظهار رفضها لاغتيال خامنئي واستهداف إيران، وفي الوقت نفسه تعبر عن انزعاجها من ضربات طهران لمنشآت الخليج لما لها من أثر مباشر على الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي. ويشير إلى أن استدعاء السفير الإيراني في أعقاب حادثة الصاروخ يدخل في إطار إدارة التوازن بين إظهار الحزم الدبلوماسي وعدم الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع طهران.

لكنه يرى أن استدامة هذا «الحياد النشط» غير مضمونة على المدى الطويل، لأن الضغوط الأمريكية والإسرائيلية ستتزايد لدفع أنقرة إلى اصطفاف أوضح، في حين يدرك صانع القرار التركي أن أي عداء صريح مع إيران سيقرب لحظة تحول تركيا إلى هدف مباشر في الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة، التي تسعى –بحسب جاندار– إلى التخلص أولا من «الخصم الشيعي» ثم الالتفات إلى «المحور السني الصاعد».

 

إسرائيل واعتبار تركيا «إيران الجديدة»

يستشهد جاندار بتصريحات بنيامين نتنياهو أمام الرأي العام الإسرائيلي، حين تحدث عن هدفه في بناء «محور دول» في مواجهة محورين «راديكاليين»: محور شيعي تقوده إيران ومحور سني صاعد يضم تركيا وقطر وباكستان وربما السعودية. كما يذكر بتصريحات سلفه نفتالي بينيت التي وصف فيها تركيا بأنها «إيران الجديدة» وبالرئيس التركي كـ«خصم خطير يحاول تطويق إسرائيل»، إلى جانب تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي غدعون ساعر عن أن تركيا تحل تدريجيا محل إيران كتهديد استراتيجي لإسرائيل.

في ضوء هذه التصريحات، يجادل جاندار بأن أي إضعاف جذري لإيران سيُسرع انتقال تركيا إلى مركز الاستهداف الإسرائيلي، خاصة مع وجود مساعٍ لإقامة محور مضاد يضم إسرائيل والهند واليونان وقبرص الجنوبية في مواجهة محور تركيا – قطر – باكستان – وربما السعودية. ويرى أن على أنقرة أن تبني حساباتها الاستراتيجية على أساس أن «ما بعد إضعاف إيران سيكون زمن استهداف تركيا»، لا أن تتعامل مع إضعاف طهران بوصفه مكسبا تلقائيا لأنقرة.

 

علاقة تنافس تاريخي مع إيران… بلا حرب مباشرة

يذكر جاندار بأن تركيا وإيران خاضتا آخر حرب مباشرة بينهما في القرن السادس عشر في معركة جالديران وما تلاها، وأن الحدود الحالية بين الطرفين استقرت عمليا منذ معاهدة قصر شيرين عام 1639، ومنذ ذلك التاريخ ظل التنافس بين الدولتين حاضرا في كل ساحات الإقليم من العراق إلى سوريا والقوقاز، لكنه لم يتحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة. ويستنتج من هذا الإرث أن الدولتين تحملان «سلوكيات تقليدية» تدفعهما إلى تجنب الصدام المباشر مهما احتدم التنافس، وأن تركيا من مصلحتها –في هذه المرحلة– الإبقاء على إيران «ضعيفة نسبيا، لكنها غير منهارة وغير مقسمة» حتى لا تجد نفسها وحيدة في مواجهة مشروع هيمنة إسرائيلي مدعوم أمريكيا.

 

سادسا: الكرد، إسرائيل، و«سردية حل داخلي ضائع» في تركيا

 

قراءة جاندار لإستراتيجية عبد الله أوجلان

يرى جاندار أن عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون، قرأ مبكرا طبيعة التحولات الجيوسياسية في المنطقة، وحذر –في رسائل عدة منذ بدايات «المسار» الذي بدأ ما عُرف في تركيا بمرحلة «ما بعد 2013»– من خطورة تحويل الكرد إلى أداة في مشاريع إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط بقيادة إسرائيل والولايات المتحدة. ويذكر بمحاضر اللقاءات المسربة من جزيرة إمرالي، حيث شدد أوجلان على مفهوم «الاندماج الديمقراطي» في الدول القائمة بدل السعي إلى كيانات منفصلة يمكن توظيفها لاحقا في مشاريع تفتيت.

بحسب جاندار، كان أوجلان يحاول –في تركيا وسوريا وإيران– توجيه القوى الكردية إلى التفاهم مع مراكز السلطة في الدول الثلاث، انتزاع حقوق قومية وديمقراطية ضمن الحدود القائمة، وتجنب التورط في مشاريع قد تجر على الكرد موجات إبادة أو تهجير تشبه ما حدث في حلبجة وحملات الأنفال في العراق. ويضيف أن ما جرى في شمال سوريا، حيث نجا الكيان الكردي من سيناريوهات أسوأ بفضل «ترشيد السلوك» وتجنب التصعيد الأقصى ضد دمشق وأنقرة، يمثل في نظره دليلا على جزئية صحة هذا المنظور.

 

فشل أنقرة في تحويل «المسار» إلى حل سياسي

يقر جاندار بأن ما سُمي في تركيا «عملية السلام» أو «مسار ما بعد أوجلان» لم يُنتج إصلاحات جوهرية في بنية الدولة أو في حقوق الكرد، بل اقتصر عمليا على إدارة وقف إطلاق نار، وتشكيل لجنة برلمانية، وبعض الخطابات التي تشدد على «استمرارية المسار» من دون ترجمتها إلى تغييرات ملموسة في الدستور أو القوانين أو الممارسة اليومية للدولة. ويلفت إلى أن الفاعلين الرئيسيين في المشهد –من الرئيس التركي إلى شريكه السياسي زعيم الحركة القومية، مرورا بأوجلان نفسه– ظلوا يعلنون تمسكهم ببقاء المسار، لكن من دون تقديم «مكاسب ملموسة» تمكن الكتلة الكردية الواسعة من الإيمان بأن الدولة تتجه نحو حل ديمقراطي مستدام.

في المقابل، تعرض أوجلان –وفق قراءة جاندار– لهجمات قاسية من جانب أطياف من القومية الكردية في الشتات، اتهمته بأنه «أداة بيد الدولة التركية» أو «خائن للقضية القومية»، في حين يواصل اليمين القومي التركي وصفه بـ«زعيم الإرهاب» و«رمز الانفصال»، ما يجعله في مرمى نيران متقابلة من معسكرين متناقضين. ومع ذلك، يصر جاندار على أن منظور أوجلان القائم على تجنب التورط في مشاريع إسرائيلية أو أمريكية لإعادة رسم خرائط المنطقة «أثبت قدرته التنبؤية» في ضوء ما يجري اليوم من استخدام مكشوف للورقة الكردية في النماذج السورية والإيرانية.

 

سابعا: استدامة الحرب واحتمالات نهايتها

 

قدرة إيران على الصمود… بين «ثقافة كربلاء» والضغط الشعبي

يؤكد جاندار أن إيران بلد كبير ذو خبرة طويلة في تحمل الحروب والعقوبات والأزمات، وأن المجتمع الشيعي –في قراءته– يمتلك ثقافة دينية-تاريخية ذات مركزية خاصة لرمزية كربلاء وعاشوراء، ما يوفر استعدادا عاليا لتحمل الخسائر والتضحية في مواجهة ما يُنظر إليه كعدوان خارجي. ويذكر بأن موجة الاحتجاجات التي شهدتها إيران قبل أشهر، والتي قُمعت بشدة وأثارت تساؤلات عن مستقبل النظام، تراجعت بالكامل تقريبا مع اندلاع الحرب الخارجية، إذ يختلط الشعور القومي مع الانتماء المذهبي في ظرف كهذا ليُجمد الصراع الداخلي مؤقتا.

في المقابل، يرى أن إسرائيل تنظر إلى المواجهة مع إيران بوصفها مسألة وجودية، ولن تتراجع بسهولة عن هدفها في تحييد قدرات إيران الصاروخية والنووية والإقليمية، ما يجعل الحرب طويلة بطبيعتها شبيهة بـ«مباراة ملاكمة من عدة جولات» تحاول كل من طهران وتل أبيب فيها توجيه ضربة قاضية للأخرى. ويضع جاندار الولايات المتحدة في موقع «الحلقة الأضعف» داخل هذا المثلث، لأن واشنطن ليست مهددة وجوديا، وتدفع أثمانا اقتصادية وسياسية متزايدة في الداخل، في حين تتآكل شرعية الحرب مع ارتفاع الأسعار واضطراب الأسواق وتزايد المعارضة داخل القاعدة الجمهورية نفسها.

 

سباق مع الزمن نحو «توازن جديد»

يقدر جاندار أن استمرار الحرب على هذا النحو سيجبر واشنطن، عاجلا أو آجلا، على البحث عن مخرج تفاوضي يوقِف النزيف الاقتصادي والسياسي، وربما ضمن إطار يكرس واقعا إقليميا جديدا من حيث موازين القوى والأدوار. لكنه يحذر من أن أي تسوية توقف الحرب قبل الوصول إلى توازن جديد واضح ستفتح الباب لجولة أخرى، لأن طهران ستبقى هدفا لعمليات استنزاف جديدة إذا لم تشعر بأنها نجحت في تثبيت حد أدنى من الردع تجاه إسرائيل والولايات المتحدة.

ويرى أن الإطار الزمني الذي يُطرح في بعض التصريحات –من قبيل الحديث عن أسابيع معدودة– لا يعكس بالضرورة نهاية قريبة للحرب بقدر ما يعكس رغبة سياسية في طمأنة الرأي العام، في حين تشير المؤشرات الميدانية والاقتصادية إلى أن المواجهة مرشحة للتمدد في الزمن مع كل هدنة مؤقتة. وفي كل الأحوال، يكرر جاندار تحذيره من أن كل تراجع في القوة الإيرانية، من دون بروز توازن إقليمي جديد، يقرب لحظة تحول تركيا إلى الهدف الاستراتيجي التالي في حسابات نتنياهو ومن يشاطره الرؤية في المؤسسة الإسرائيلية.

 

خلاصة

يقدم جنكيز جاندار قراءة ترى في الحرب الحالية حربا إسرائيلية تُدار بأدوات أمريكية ضد إيران، بهدف إعادة هندسة موازين القوى في الشرق الأوسط على حساب طهران ثم أنقرة لاحقا. ويحذر من تحويل الكرد إلى أداة في هذه الاستراتيجية، ويدعو تركيا إلى تحصين جبهتها الداخلية مع كردها وتجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران حتى لا تجد نفسها «إيران الجديدة» في عين العاصفة الإسرائيلية.


09/03/2026