*سوران الداوودي
انتفاضة آذار المجيدة عام 1991 في كردستان العراق لم تكن حالة اعتباطية عاطفية عابرة او انفجار غضبٍ بلا أفق، انما قطيعة تاريخية والتحول من منطق العمل النضالي المتعدد الاتجاهات إلى النظام السياسي والمؤسساتي و نقلت إرادة المجنمع الكوردي من الاحتجاج والشرعية الثورية إلى الشرعية القانونية وبناء المؤسسات والنظم الدستورية .
هذه التحولات رسمت المسار الدستوري للإقليم، وغيرت الأهداف من إسقاط السلطة فحسب الى تأسيس نظام سياسي لإدارة المجتمع الكوردستاني وصياغة القرار حيث جاءت فكرة الإدارة البرلمانية التي انبثق عنها برلمان كردستان، باعتباره مجسدا والممثلا عن إرادة المواطنين لا امتدادا للنضال المسلح و الثوري.
هذه الانتقالات لم تكن سهلة ولا مفاجئة لكنها مثّلت تحولا نوعيا في الوعي السياسي الكردستاني من الشارع الى البرلمان ومن الفوضى الى النظام ومن حراك شعبي الى سياسة مشرعنة قانونيا.
يمكن اعتبار تاسيس حكومة إقليم كردستان منطلقا لدخول الإقليم مرحلة جديدة من الإدارة الذاتية المنضبطة وبمسؤولية جماعية يكون القرارفيها مؤسساتية، والمساءلة جزءا من هيكل السلطة وهنا تقيم الانتفاضة لم يعد يحسب بحجم ما أسقطته وانما بما بنته من مؤسساتوهياكل دولة ناشئة وسن القوانين.
كان للاتحاد الوطني الكردستاني في مجريات الاحداث والتحولات التي جرت دورا رئيسيا وقياديا ومحوريا في اطارالأطراف التي دفعت باتجاه الانتقال من الصراع إلى التنظيم السياسي، وكان الاتحاد مهندس التغير الجذري من منطق القوة إلى منطق الشرعية مؤسسا لمشروع تحويل الحراك الشعبي إلى مشروع حكم قابل للاستمرارحاملا شعار الفدرالية للمرة الأولى فيما كانت الأطراف الأخرى متمسكة بالحكم الذاتي .
إن تجربة آذار انتجت نظاما سياسيا كورديا من رحم واقع مضطرب استحال تحقيقها في ضل الحماسة ورفع الشعارات باعتبارها لحظة التاسيس التي نقلت المجتمع الكوردي من حقيقة المواجهة إلى منطق الإدارة ومن ردود الافعال إلى صنع القرار ومن النضال إلى النظام.
لذلك يمكن فهم آذار 1991 باعتبارها بداية لصياغة عقد سياسي كردستاني معاصرحيث اضحت الشرعية تُستمد من المؤسسات لا من السلاح، ومن التمثيل الشعبي لا من حجم القوة. والتي تمثل تاريخ التحول من الصراع إلى بناء الدولة.
فانتفاضة آذار ليست نهاية مرحلة فحسب وانما بداية مسار طويل صوب الحكم الرشيد، ووالتاكيد على فكرة أن الاستقرار الدائم لا ياتي عبر الثورات المستمرة، بل تبنيه الأنظمة العادلة والمؤسسات القادرة.