×


  المرصد الايراني

  رسالة ايران الى الرئيس ترامب واضحة



*سيد عباس عراقجي

صحيفة"وول ستريت جورنال"الامريكية/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

 

طهران – كان يفترض بالبيت الابيض ان يكون بمنأى عن موجة التقارير الكاذبة بشكل واضح التي نشرتها وسائل اعلام غربية حول الاحداث الاخيرة في ايران، لكن يبدو من الضروري توضيح بعض النقاط. الاحتجاجات بدأت سلمية، وقد اعترفت بها الحكومة الايرانية بوصفها مشروعة. لكنها تحولت فجأة الى اعمال عنف عندما دخل على الخط فاعلون ارهابيون محليون واجانب، ما جعل تعطيل قنوات التواصل بين منظمي اعمال الشغب والارهابيين امرا ضروريا. ومع قيام اجهزتنا الاستخبارية والامنية بتفكيك تلك الخلايا، يجري اعادة خدمة الانترنت وجميع وسائل الاتصال تدريجيا.

السرديات الاعلامية قامت بتشويه الواقع بشكل نشط، وساهمت في خلق مناخ ينذر بانفجار العنف على نطاق غير مسبوق في منطقتنا. ولو اردت التخمين، لقلت ان العنف كان الهدف الدقيق لهذه الحملة الممنهجة من التضليل.

عندما استخدمت مجموعات ارهابية ملثمة ترتدي السواد بنادق ومسدسات للتسلل الى الاحتجاجات واطلاق النار على متظاهرين ابرياء في شوارعنا، ظهرت تقارير في وسائل اعلام عدة تزعم ان مدنا ايرانية كبرى قد سقطت، وتحدثت اخرى عن استمرار واسع لاعمال عنف مسلح. في الواقع، لم تستمر المرحلة العنيفة من الاضطرابات سوى اقل من 72 ساعة. وقد اقريت في مقابلة مع قناة فوكس نيوز بان عدد القتلى بلغ المئات، على ان يعلن الرقم النهائي بعد ان تتمكن وزارة الصحة والمستشفيات من توفير بيانات دقيقة.

احداث هذا الشهر اختلفت عن احتجاجات سابقة في جانب اساسي واحد. فقد حذر الرئيس الامريكي علنا من ان ايران ستواجه عواقب اذا قتل متظاهرون. هذه الرسالة، سواء بقصد او من دونه، منحت المتآمرين حافزا لاتباع استراتيجية وحشية يمكن وصفها فقط بانها اقصى درجات اراقة الدماء. الهدف كان واضحا، وهو جر الولايات المتحدة الى حرب جديدة بالنيابة عن اسرائيل. وعندما يقر حتى مدير وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية السابق مايك بومبيو علنا بتغلغل جهاز الموساد الاسرائيلي في احتجاجات الشارع، فان هذه الحقيقة لا يمكن ردها بوصفها نظرية مؤامرة.

من 28 كانون الاول وحتى مساء 8 كانون الثاني، شهدت ايران مشاهد مألوفة في كثير من الديمقراطيات الاخرى، احتجاجات سلمية في معظمها ضد اصلاحات اقتصادية وضد اوضاع المعيشة، ولا سيما التضخم، ومفاوضات مع نقابات مهنية، واشتباكات محدودة وغير قاتلة. الشرطة الايرانية مدربة ومجهزة اساسا لادارة الاضطرابات من دون استخدام الاسلحة النارية، وكان معظم العناصر في الميدان غير مسلحين. لكن بعد ساعات فقط من اعلان الرئيس ترامب انه يدرس التدخل في حال وقوع عنف واسع، فوجئت قواتنا الامنية بهجمات مسلحة منسقة وواسعة النطاق.

اطلاق النار استهدف الشرطة والمدنيين على حد سواء. قتل ضباط، واحرقوا، بل وقطعت رؤوس بعضهم. دمرت عمدا حافلات عامة ومستشفيات وسيارات اسعاف ومراكز اطفاء وبنى صحية ومتاجر كبرى وحتى مساجد، بهدف تعظيم عدد الضحايا وعرقلة الاستجابة الطارئة. غالبية القتلى كانوا من رجال الشرطة ومواطنين عاديين. ولو اردنا وضع حجم العنف في سياقه، فهو يعادل مقتل 600 من افراد انقاذ القانون في الولايات المتحدة خلال 72 ساعة. لا توجد اي حكومة يمكن ان تقف مكتوفة الايدي امام تعرض مواطنيها لمثل هذه الفظائع.

خلافا للاكاذيب التي تروج في الخارج، تم الاعتراف رسميا بجميع الضحايا غير المسلحين بوصفهم شهداء، ما يعني ان كل عائلة متضررة ستحصل على دعم كامل، بما في ذلك التعويضات والمزايا نفسها التي يحصل عليها افراد الشرطة الذين سقطوا في الواجب.

لقد تراجع العنف في شوارعنا، وعادت الحياة الطبيعية الى مختلف انحاء البلاد. وبفضل تدخل افرادنا الامنيين الشجعان ويقظة وتعاون المواطنين، تم تعقب الخلايا الارهابية والقضاء عليها.

وفيما ينعى الايرانيون احباءهم ويعيدون بناء ما دمر، يلوح تهديد اخر في الافق، هو الفشل النهائي للدبلوماسية. وعلى عكس ضبط النفس الذي ابدته ايران في حزيران 2025، فان قواتنا المسلحة القوية لن تتردد في الرد بكل ما لديها اذا تعرضنا لهجوم جديد. هذا ليس تهديدا، بل حقيقة اشعر بضرورة توضيحها صراحة، لانني كدبلوماسي ومخضرم ابغض الحرب. اي مواجهة شاملة ستكون شرسة حتما، وستستمر اطول بكثير من الجداول الزمنية الوهمية التي تحاول اسرائيل ووكلاؤها تسويقها للبيت الابيض. كما ستشمل المنطقة الاوسع، وستؤثر في حياة الناس العاديين حول العالم. وسافعل كل ما بوسعي لمنع تحقق هذا السيناريو.

يرى الرئيس ترامب نفسه صانع صفقات، لكن ما جلبه حتى الان الى منطقتنا لم يكن سوى الحرب. انظروا الى فلسطين ولبنان وسوريا واليمن وايران وحتى قطر، واحصوا عدد الارواح التي ازهقت خلال 12 شهرا من ولايته. لقد حان وقت تغيير النهج.

مع ايران، حاول السيد ترامب الدبلوماسية اولا، في ثلاث مناسبات على الاقل، كنا قريبين جدا من التوصل الى حل وسطي خلال مفاوضات عمان في ايار الماضي، لكن الامر لم يكتمل. لماذا؟ بسبب وكلاء اسرائيل في البيت الابيض، الذين لا يكترثون مطلقا بالمصالح الامريكية. كما اضاعت الولايات المتحدة فرصة ممتازة لاستئناف الدبلوماسية في نيويورك في ايلول الماضي، بسبب سوء تقدير تمثل في حث الاوروبيين على تفعيل ما يسمى بآلية الزناد في الاتفاق النووي، واعادة فرض عقوبات الامم المتحدة على ايران.

ايران ستختار دائما السلام على الحرب. لقد كنا دوما مستعدين لمفاوضات حقيقية وجادة تفضي الى اتفاق عادل ومتوازن، وقد اثبتنا ذلك مرارا في السنوات الاخيرة. لكن في ضوء ما شهدناه في حزيران وايلول 2025، لسنا مقتنعين بان الولايات المتحدة تشاركنا هذا النهج.

رسالة ايران الى الرئيس ترامب واضحة. الولايات المتحدة جربت كل اشكال الاعمال العدائية الممكنة ضد ايران، من العقوبات والهجمات السيبرانية الى الهجوم العسكري المباشر، واخرها تأجيج عملية ارهابية كبرى، وجميعها فشلت. حان الوقت للتفكير بشكل مختلف. جربوا الاحترام، فقد يتيح لنا ذلك ان نتقدم ابعد مما يتصور البعض.

*سيد عباس عراقجي هو وزير خارجية ايران.


02/02/2026