×


  بحوث و دراسات

  تعدد بؤر التوتر ينذر بمرحلة أكثر خطورة في الشرق الأوسط



*الباحث محمد أيوب

National Interest/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

 

تظهر الاحتجاجات الجارية في ايران وتهديد ادارة دونالد ترامب باتخاذ اجراءات عسكرية ضد النظام الايراني، في حال واصل قمع المعارضة بعنف، مدى التشابك العميق بين السياسات الداخلية لدول الشرق الاوسط وامن المنطقة وتوازن القوى فيها. غير ان الاضطراب في ايران ليس مصدر القلق الوحيد. فالاحداث في غزة وسوريا والسودان واليمن تدفع بالسياسات الخارجية للقوى الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة، في اتجاهات متسارعة.

السبب الرئيس لذلك ان الشرق الاوسط نادرا ما يقدم للعالم ازمة واحدة محدودة. بل يعرض سلسلة من الصراعات المتداخلة التي تعبر ارتداداتها الحدود على شكل لاجئين وصواريخ وتدفقات تجارية وايديولوجيات. واليوم، تبدو المنطقة بوضوح في حالة غليان، ليس لان حربا واحدة تتصاعد، بل لان عدة بؤر ضغط تسخن في الوقت نفسه، رافعة درجة الحرارة في كل الاتجاهات.

تختبر الاحتجاجات في ايران قدرة النظام على الصمود كما لم يحدث من قبل، فيما لا تزال كارثة غزة من دون حل، وتواصل سوريا صراعها مع التفكك السياسي، وتوسع اسرائيل ساحة المواجهة باتجاه لبنان، بينما تستمر الحروب الاهلية المتداخلة في اليمن. وفي الوقت ذاته، تتخذ القوى الاقليمية والدولية مواقف حازمة ومتناقضة في آن، ولا سيما تركيا والولايات المتحدة، حيث تتقاطع سياساتهما وتتداخل عبر اكثر من ساحة.

ما يميز هذه اللحظة ليس جدة الازمات، بل تزامنها. فلم تعد هذه البؤر معزولة، بل تتفاعل معا بطرق تضاعف المخاطر وتضيق مسارات الهروب الدبلوماسي.

 

ايران: اضطراب داخلي ومخاطر اقليمية

تمثل الاحتجاجات في ايران اختبار ضغط قاسيا لنموذج الحكم في الجمهورية الاسلامية. فالصعوبات الاقتصادية، التي تفاقمت بشكل هائل بسبب عقود من العقوبات وسوء الادارة، الى جانب القمع السياسي والاغتراب الجيلي، قادت الى دورات متكررة من الاضطرابات، واجهها النظام بالقوة بدلا من الاصلاح. غير ان الازمة الحالية تبدو الاكثر حدة منذ تأسيس الجمهورية الاسلامية عام 1979. وقد ابرز رد القيادة نمطا مألوفا يتمثل في زيادة القمع، بما يفاقم المشكلة بدلا من حلها.

تاريخيا، يتأرجح النظام الايراني، عندما يواجه ضغوطا داخلية، بين ضبط النفس والتحدي في سياسته الخارجية، وهو ما يترتب عليه تداعيات اقليمية كبيرة. فمن جهة، قد تسعى طهران الى تجنب التصعيد الاقليمي الذي قد يجلب عقوبات اضافية او مواجهة عسكرية في لحظة ضعف. ومن جهة اخرى، كثيرا ما تعزز الضغوط الداخلية نفوذ التيارات المتشددة التي ترى في الحزم الاقليمي ضرورة للردع والمصداقية الثورية، وكذلك وسيلة لتحويل غضب السكان نحو اطراف خارجية.

ينعكس هذا الغموض على محيط ايران. فعلاقاتها مع حزب الله والميليشيات في العراق وسوريا، ومع الحوثيين في اليمن، تعني ان عدم الاستقرار الداخلي في طهران لا يبقى شأنا داخليا صرفا. بل يغير حسابات المخاطر لدى اسرائيل ودول الخليج، وبشكل حاسم لدى الولايات المتحدة، التي يتعين عليها ان تقرر ما اذا كان الردع او الدبلوماسية او الصبر الاستراتيجي يخدم مصالحها على افضل وجه، في وقت تبدو فيه ايران مقيدة وغير متوقعة في آن واحد.

 

غزة: كارثة انسانية ومسرع سياسي

تبقى غزة المركز العاطفي لاضطرابات المنطقة. وحتى عندما تتراجع وتيرة الاعمال القتالية، يظل القطاع مسرعا سياسيا في بقية ارجاء الشرق الاوسط. فالدمار ومعاناة المدنيين والاسئلة العالقة حول الحكم تضمن ان اي تطور في غزة سيترك صداه في العواصم العربية.

بالنسبة للرأي العام العربي، تعزز غزة سردية الظلم والمعايير المزدوجة في الدبلوماسية الدولية. كما انها تخيم كسيف ديموقليس فوق رؤوس الانظمة العربية، التي ينظر اليها بوصفها عاجزة وضعيفة امام الانتهاكات الاسرائيلية. اما بالنسبة لاسرائيل، فهي تكثف النقاشات الوجودية حول الامن وتستجلب ادانات دولية. وبالنسبة للفاعلين الخارجيين، ولا سيما الولايات المتحدة، اصبحت غزة اختبارا حاسما للمصداقية، خاصة بعد ان قررت ادارة ترامب ان تتولى بنفسها ملف عملية السلام في غزة.

يعكس موقف واشنطن هذا المأزق. فالولايات المتحدة تبقى الشريك الامني الرئيس لاسرائيل، وفي الوقت نفسه الفاعل الخارجي الاكثر تأثيرا في قضايا الوصول الانساني وديمومة وقف اطلاق النار وترتيبات ما بعد النزاع. غير ان محاولات الموازنة بين هذين الدورين لم ترض احدا. فالحلفاء يشككون في حزم واشنطن، والخصوم يشككون في حيادها، والجماهير الاقليمية باتت ترى الدبلوماسية الامريكية رد فعلية اكثر منها تحويلية، وخاضعة بشكل مفرط لحسابات داخلية.

النتيجة ليست مجرد ضغط دبلوماسي، بل انجراف استراتيجي. فمن دون افق سياسي قابل للحياة لغزة، يتحول كل وقف لاطلاق النار الى استراحة لا الى حل، وتتحول كل استراحة الى طاقة مخزنة للانفجار التالي.

 

سوريا: التفكك كحالة اقليمية

غالبا ما توصف سوريا بانها تعيش نزاعا مجمدا، غير ان هذا الوصف يحجب واقعها الحقيقي. فسوريا تمثل صدعا نشطا بشكل دائم يربط بين تنافسات اقليمية متعددة. ويتيح تفككها لقوات اجنبية وميليشيات واجهزة استخبارية العمل في مناطق متداخلة، محولا الحوادث المحلية الى قضايا اقليمية.

يلعب الدور التركي هنا دورا محوريا. فأنقرة تحافظ على وجود عسكري كبير في شمال سوريا، مدفوعة باولويتين: منع قيام هياكل حكم ذاتي كردية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وادارة تدفقات اللاجئين التي اصبحت قضية سياسية داخلية كبرى. وتتقاطع العمليات التركية بشكل غير مريح مع الشراكات الامريكية مع القوات الكردية، كاشفة حدود تماسك حلف شمال الاطلسي في الشرق الاوسط.

في المقابل، تحافظ الولايات المتحدة على وجود محدود لكنه رمزي في شرق سوريا، يهدف الى مكافحة الارهاب وكبح النفوذ الايراني. ويعكس هذا النهج الاستراتيجية الاقليمية الاوسع لواشنطن: تجنب التورط الواسع النطاق، مع منع الخصوم من ترسيخ السيطرة.

النتيجة هي غموض استراتيجي. فتبقى سوريا غير مستقرة، لا لان فاعلا واحدا يرغب في الفوضى، بل لان ايا من الفاعلين غير مستعد او قادر على فرض تسوية شاملة، او حتى تسهيلها.

 

اسرائيل ولبنان: ردع تحت الضغط

تمثل الجبهة الشمالية لاسرائيل مع لبنان ربما الخطر الاكثر الحاحا للتصعيد الاقليمي. فالمنطق على الجانبين هو الردع، لكن الردع الذي يعتمد على اشارات مستمرة عبر استخدام محدود للقوة هو بطبيعته غير مستقر. فالضربات المحدودة والردود المتبادلة والتصعيد الخطابي تخلق ايقاعا تصبح فيه الحسابات الخاطئة اكثر احتمالا، والحرب الشاملة اكثر ترجيحا.

يخيم ظل ايران هنا بقوة، وكذلك الحسابات الامريكية. فقد استثمرت واشنطن كثيرا في منع اندلاع حرب شاملة بين اسرائيل وحزب الله، ليس اقلها لان مثل هذا الصراع سيستجلب ايران على الارجح ويزعزع الاسواق العالمية. غير ان النفوذ الامريكي مقيد بالسياسات الداخلية والالتزامات التحالفية.

 

اليمن: حرب ترفض التبسيط

تجسد الحروب الاهلية في اليمن تعقيد المنطقة متعدد الطبقات. فما بدأ صراعا بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليا، تطور الى نزاعات متداخلة تشمل انفصاليين جنوبيين وقوى قبلية ورعاة اقليميين ومصالح دولية مرتبطة بامن الملاحة.

ويضع تقارب الحوثيين مع ايران اليمن ضمن المواجهة الاوسع بين طهران وواشنطن. وتبرز الانتشارات والضربات البحرية الامريكية المرتبطة بامن البحر الاحمر كيف يمكن لصراع محلي ان يتصاعد ليصبح شأنا عالميا. وفي الوقت نفسه، تكشف الانقسامات بين القوى المناهضة للحوثيين، وكذلك بين السعودية والامارات، ولا سيما في جنوب اليمن، حيث تدعم الاولى الحكومة المعترف بها دوليا بينما تدعم الثانية الانفصاليين الجنوبيين، كيف يمكن لتحالفات الوكلاء ان تتصدع تحت وطأة الحروب الطويلة عندما تتباين مصالحها المحلية.

ويمنح الموقع الاستراتيجي لليمن، المشرف على باب المندب الذي تمر عبره حركة الشحن من البحر الاحمر الى المحيط الهندي، اهمية استثنائية. اذ يمر عبر البحر الاحمر نحو 12 في المئة من التجارة العالمية، بما في ذلك 8 الى 10 في المئة من تجارة النفط والغاز المسال المنقولة بحرا. ويعد البحر الاحمر، عبر قناة السويس، اقصر طريق بين اوروبا واسيا وافريقيا. واي تعطيل للحركة في اي من هذين الممرين يجبر السفن على الالتفاف حول راس الرجاء الصالح، ما يضيف 10 الى 15 يوما من الابحار ويرفع التكاليف بشكل حاد.

وقد استغل الحوثيون هذا الخناق البحري بفعالية في الفترة الاخيرة، من خلال استهداف السفن الامريكية والاسرائيلية في عامي 2024 و2025، ردا على الغزو الاسرائيلي لغزة ودمارها. ويظهر ذلك كيف يمكن لفاعلين محليين في زاوية من الشرق الاوسط ان يؤثروا في صراعات تتجاوز محيطهم المباشر، وان يتركوا اثارا كبيرة على الاقتصاد الدولي، ويهددوا باضطرابات اوسع.

 

تركيا والولايات المتحدة: مدراء للنظام ام مضاعفو مخاطر؟

تحتل تركيا والولايات المتحدة موقعا فريدا في الشرق الاوسط اليوم. فكلتاهما ليستا متفرجتين، ولا تملكان في الوقت ذاته السيطرة على النتائج. وتعملان عبر ساحات متعددة باهداف متداخلة واحيانا متعارضة.

تقدم تركيا نفسها كقوة اقليمية توازن بين الامن والقومية والانخراط البراغماتي. فسياساتها في سوريا، وعلاقاتها مع روسيا وايران، وعضويتها في الناتو، ومواقفها الخطابية من غزة، ومتطلباتها السياسية الداخلية، كلها تشكل سلوك انقرة في المنطقة. ونفوذ تركيا حقيقي لكنه غير متكافئ: قوي عسكريا، مقيد دبلوماسيا، ويتشكل بشكل متزايد تحت ضغط الاوضاع الاقتصادية الداخلية.

اما الولايات المتحدة، فهي قوة عالمية تعاني ارهاقا اقليميا. تسعى واشنطن الى ردع ايران، ودعم الحلفاء، ولا سيما اسرائيل والسعودية، وتأمين طرق التجارة، وتجنب حرب كبرى جديدة، وكل ذلك في ظل استقطاب داخلي واولويات عالمية متنافسة. والنتيجة هي وضعية تبدو في الغالب رد فعلية، وفي الفترة الاخيرة شديدة الشخصنة، بما يزيد من عدم قابلية التنبؤ بمسارات المنطقة.

 

تداخل ازمات نظام الشرق الاوسط

ان الشرق الاوسط في حالة غليان لان ازماته لم تعد محصورة. فاضطرابات ايران الداخلية تؤثر في الاستقرار الاقليمي. ودمار غزة يشكل الرأي العام واستراتيجيات الفاعلين المسلحين. وسوريا تصدر عدم الاستقرار بحكم الامر الواقع. ولبنان يترنح تحت وطأة مواجهة دائمة مع اسرائيل. وحروب اليمن تتحول ولا تنتهي. ويحلل فوق كل ذلك دور تركيا والولايات المتحدة، القوتين القادرتين على التأثير دون القدرة على حسم النتائج.

في هذا السياق المتقلب، قد تتحول تهديدات ادارة ترامب بالتدخل العسكري في ايران، اذا ما نفذت كما يبدو انها تقترب من ذلك، الى الشرارة التي تشعل الحريق، فتغلي مرجل الشرق الاوسط ويفيض.

*محمد أيوب استاذ جامعي متميز متقاعد في العلاقات الدولية في جامعة ولاية ميشيغان، وزميل اول في مركز السياسات العالمية.


18/01/2026