في لحظة يختلط فيها الجدل السياسي الامريكي مع واحدة من أسوأ المآسي الإنسانية في نصف الكرة الغربي، تضع افتتاحية صحيفة "واشنطن بوست" النقاط على الحروف: قد تكون سياسة الرئيس دونالد ترامب تجاه فنزويلا محل نقاش، لكن شرّ نظام نيكولاس مادورو حقيقة لا تحتمل الجدل. فبينما يمثل الديكتاتور الفنزويلي أمام القضاء الامريكي، يذكّرنا واقع بلاده بأن التغاضي عن الاستبداد تحت أي ذريعة سياسية هو تواطؤ أخلاقي.
سجن على هيئة وطن
وقالت الافتتاحية إن مبنى "إل هيليكوييدي"، الذي شُيّد في خمسينيات القرن الماضي ليكون رمزا لحداثة كاراكاس وازدهارها، تحوّل في ظل الديكتاتورية الاشتراكية إلى أشهر سجن سياسي في البلاد.
وأضافت الصحيفة أن منظمات حقوق الإنسان تقدّر أن فنزويلا تضم أكبر عدد من السجناء السياسيين في نصف الكرة الغربي، كثيرون منهم تعرضوا للتعذيب، فيما تعرّضت نساء للاغتصاب داخل مراكز الاحتجاز.
وأوضحت الافتتاحية أن النظام، في بادرة محدودة لكسب ودّ الولايات المتحدة، أفرج في الأيام الأخيرة عن عدد من السجناء السياسيين، إلا أن أعدادا كبيرة ما تزال خلف القضبان، بينما تواصل عصابات "الكوليكتيفوس" الموالية للحكومة توقيف المواطنين في الشوارع وتفتيش هواتفهم بحثا عن أي تعاطف مع واشنطن.
ازدواجية أخلاقية في الداخل الامريكي
وتابعت الافتتاحية أن مفارقة لافتة تظهر داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث يرفع أنصار "لا للملوك" شعارات ضد السلطة التنفيذية القوية، لكن كثيرين منهم يُبدون تسامحا مريبا مع طغاة سفكوا الدماء. وأضافت أن عددا غير قليل من الامريكيين تساءلوا، بعد إلقاء القبض على مادورو، عمّا إذا كان هذا الرجل القوي يستحق السجن.
وشددت الافتتاحية على أن العداء التلقائي لكل ما يتبناه ترامب لا ينبغي أن يعمي أحدا عن جرائم مادورو، مذكّرة بأن إدارة الرئيس جو بايدن كانت قد رصدت مكافأة قدرها 25 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقاله.
من تشافيز إلى مادورو: طريق الانهيار
وأضافت الافتتاحية أن فنزويلا، شأنها شأن كثير من المشاريع الاشتراكية الفاشلة، انهارت ببطء ثم فجأة. ففي عهد هوغو تشافيز، ساعدت أسعار النفط المرتفعة على إخفاء سوء الإدارة المزمن ونقص الاستثمار في قطاع النفط المؤمم، كما فتح الرجل البلاد أمام خصوم واشنطن مثل إيران وروسيا والصين، وشرع في تفكيك الضوابط على سلطته.
وفي عام 2009، فاز "التشافيزيون" باستفتاء ألغى تحديد الولايات الرئاسية، بذريعة أن تشافيز غير قادر على إيذائنا. وبعد أربع سنوات فقط، صعد مادورو إلى الرئاسة، مستفيدا من هذه الصلاحيات الموسّعة لبناء ديكتاتورية متوحشة وإغراق البلاد في أزمة إنسانية غير مسبوقة.
جرائم ضد الإنسانية
وأوضحت الافتتاحية أن الأمم المتحدة اتهمت حكومة مادورو عام 2020 بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، شملت الإعدامات خارج القانون، والاعتقال والتعذيب لأسباب سياسية، وتقويض استقلال القضاء، والقمع العنيف للاحتجاجات.
وأضافت الصحيفةأن بنية القمع التي أنشأها النظام ما تزال فاعلة حتى في غياب مادورو المباشر، حيث تواصل عصابات "الكوليكتيفوس" بث الرعب في شوارع كاراكاس.
شعب يعاقب بالجوع
وتابعت الافتتاحية أن من نجا من بطش الميليشيات لم ينجُ من سياسات الإفقار. فبعد تولي مادورو الحكم في 2013، انهارت أسعار النفط، وتفجرت أزمة الديون، واندلعت موجة تضخم مفرط. وبلغت أزمة الغذاء حدا جعل الفنزويليين يخسرون في المتوسط نحو 19 رطلا من أوزانهم بين عامي 2015 و2016.
وأضافت أن مادورو منع مرارا دخول المساعدات الأجنبية، فيما انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنحو 70 في المئة بين 2014 و2021، وغرقت غالبية السكان في فقر مدقع. وقد فرّ نحو ثمانية ملايين فنزويلي من البلاد منذ 2014، في واحدة من أكبر موجات النزوح في التاريخ الحديث. كما لجأ مادورو إلى تزوير نتائج آخر انتخابات لأنه كان يعلم أنه سيخسرها لو جرت بنزاهة.
الجرائم لا تبرر بالسياسة
خلصت الافتتاحية إلى أن من حق الديمقراطيين انتقاد ترامب لاستهدافه نفط فنزويلا أو لإبقائه أتباع مادورو في مواقعهم بدلا من السعي الفوري إلى تنصيب زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو. لكنهم، وفق الافتتاحية، لا يستطيعون إنكار حقيقة أساسية: شعب يعيش فوق أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم يتضور جوعا ويتعرض للقمع منذ سنوات طويلة، والسبب هو نظام إجرامي لا يجوز التهاون معه أو تبريره.