*د.نبيل فهمي
*مركز المستقبل للابحاث والدراسات المتقدمة
مع اقتراب عام 2025 من نهايته؛ يواجه النظام العالمي ضغوطاً وتوترات هيكلية عميقة ذات عواقب وخيمة محتملة طويلة الأمد. فقد تضافرت معاً كل من أجندات القوى العظمى المتنافسة، واضطرابات سلاسل التوريد/الإمداد، والتعافي الاقتصادي الهش، واتساع مناطق الصراع؛ لتنتج بيئة استراتيجية شديدة التقلب. ويتجلى هذا بوضوح في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع وتتداخل الأزمات المنتشرة في غزة ولبنان وسوريا واليمن وليبيا والسودان مع أزمات الطاقة العالمية والتجارة البحرية والمواجهات بين القوى الكبرى.
لقد تشكلت الجغرافيا السياسية العالمية في عام 2025 بفعل ثلاثة عوامل مترابطة:
1- تفتت المنافسة بين القوى العظمى:
سعت القوى الكبرى بشكل متزايد إلى تحقيق انفصال اقتصادي انتقائي، وتحوط استراتيجي، وبناء نفوذ تنافسي. ومع إعادة تقييم العلاقات الأمريكية الصينية، إلى جانب الموقف الروسي الحازم في تفاقم التجزئة الجيوسياسية، واضطرار دول آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا إلى تنويع الشركاء وتطوير سياسات خارجية متعددة الأوجه؛ أدت كل هذه التحولات إلى تفاقم المخاوف الغربية بشأن التحدي المحتمل الذي قد يواجه هيمنتها.
2- هشاشة طرق التجارة وإعادة تسعير سلاسل التوريد:
أدى انعدام الأمن البحري - بما في ذلك في البحر الأحمر- إلى إعادة تشكيل الخدمات اللوجستية العالمية. فمع تغيير مسار الشحن حول رأس الرجاء الصالح زادت أوقات العبور وتكاليف التأمين؛ مما أسهم في تصاعد الضغوط التضخمية. وتذكر العالم أن نقاط الاختناق مثل باب المندب وقناة السويس ومضيق هرمز لا تزال بالغة الأهمية للاستقرار الجيواقتصادي.
3- توترات التحول في مجال الطاقة:
مع تقدم التحول العالمي في مجال الطاقة، واجه المنتجون التقليديون للهيدروكربونات تحدياً مزدوجاً يتمثل في كيفية حفاظهم على الإيرادات قصيرة الأجل، مع الاستعداد للتنويع على المدى الطويل. وقد أضافت المنافسة على المعادن الحيوية، ومحاولات التوصل إلى التكنولوجيا والقدرة الصناعية الخضراء المزيد من نقاط التوتر الجيوسياسية.
ديناميكيات الشرق الأوسط:
تداخلت العوامل المؤثرة في تشكيل الجغرافيا السياسة العالمية مع ديناميكيات الشرق الأوسط؛ مما أدى إلى تضخيم نقاط الضعف والثقل الاستراتيجي للمنطقة؛ إذ كشف العام 2025 عن انقسامات عميقة في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ولم تعد المنطقة مجرد مسرح لأزمات متعددة؛ بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها أجندات القوى العالمية والإقليمية، والتي غالباً ما تتعارض أهدافها.
- غزة والصراع الإسرائيلي الفلسطيني:
على الرغم من وقف إطلاق النار المتقطع والجهود الدبلوماسية؛ ظلت غزة عالقة في حالة "اللاحرب واللاسلم". وقد أدى التدهور الإنساني، والتشرذم السياسي، وانعدام الأمن إلى عدم قدرة أي من الطرفين على تحقيق الاستقرار. وأضاف عدم وجود أفق سياسي إلى استمرار دوامات التصعيد وزيادة مخاطر امتداد الصراع. وقد خلق اتفاق غزة المكون من 20 بنداً - والذي تم التوصل إليه في نهاية العام في إطار وقف إطلاق النار- ظروفاً من شأنها أن تسهل تحقيق التطلعات الفلسطينية. ويقف الصراع الآن على حافة الهاوية عالقاً بين إمكانية تحقيق السلام السياسي من خلال حل الدولتين، وبين احتمال الاحتلال الدائم المصحوب بمواجهة عنيفة غير متكافئة.
- لبنان:
ظل لبنان عرضةً للتصعيد على طول حدوده الجنوبية. وقد اجتمعت مواقف حزب الله، وحسابات الردع الإسرائيلية الأحادية، وانهيار مؤسسات الدولة لتخلق بيئة شديدة الاشتعال؛ مما حدّ من قدرة البلاد على استيعاب الصدمات.
- سوريا:
استمرت سوريا ساحة صراع متعدد الطبقات من أجل النفوذ. ورغم انحسار القتال واسع النطاق، فإن المصالح المتضاربة لروسيا وإيران وتركيا وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى جهات فاعلة غير حكومية مختلفة، حالت دون التوصل إلى أي تسوية سياسية حقيقية. وقد رفعت اللقاءات السياسية السورية رفيعة المستوى - بما في ذلك اللقاءات مع روسيا والولايات المتحدة- سقف التوقعات، ولكن ظل الوضع الأمني غير مستقر والعنف متكرر. وكذلك ظلت جهود إعادة الإعمار مسيسة ومجزأة.
- إيران:
أظهرت إيران نفوذها من خلال جماعات متحالفة معها في مختلف أنحاء بلاد الشام واليمن، في حين أدت الخلافات المتعلقة بتحققها النووي إلى إبقاء التوترات الدبلوماسية مرتفعة، وأي خطأ في التقدير من جانب الأطراف المعنية يُنذر بتصعيد إقليمي أوسع؛ مما يؤكد الحاجة إلى ضرورة استمرار الحوار الدبلوماسي.
- اليمن:
أظهرت الهجمات على السفن بالبحر الأحمر - والتي ربطها الحوثيون بالصراع في غزة- كيف يمكن للمظالم الإقليمية أن تعرقل سير التجارة العالمية. وعلى الرغم من أن عام 2025 شهد توقفاً مشروطاً لهذه الهجمات؛ فإن الدوافع السياسية الأساسية الكامنة وراء الوضع في اليمن لا تزال قائمة دون حل. وسيظل البحر الأحمر هشاً من الناحية الاستراتيجية؛ ما لم يتم دمجه في إطار أمني إقليمي أوسع.
- ليبيا:
تفاقم التشرذم في ليبيا مع قيام شبكات تهريب الوقود وهياكل المحسوبية القائمة على استنزاف مليارات الدولارات من الاقتصاد الليبي. واستمر الركود السياسي والتدخل الخارجي في عرقلة الحكم الموحد؛ مما حوّل ليبيا بشكل متزايد إلى مركز للمنافسة الاستراتيجية والتجارة غير المشروعة.
- السودان:
تسبب الصراع في السودان في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم عام 2025. وتقاتلت الفصائل المتنافسة للسيطرة على الأراضي والموانئ وطرق الموارد، بينما تنافست عدة جهات خارجية على النفوذ. هذا ورسخت اقتصادات الحرب نفسها؛ مما زاد من تعقيد فرص التوصل إلى تسوية عبر المفاوضات.
على الجانب الآخر، شهدت منطقة الشرق الأوسط مجموعة من الضغوط الاقتصادية أدت إلى تداعيات عالمية من أبرزها:
- ارتفاع تكاليف سلاسل التوريد:
لقد أدى تغيير مسارات السفن والملاحة، وارتفاع أقساط التأمين، واضطراب تدفقات الحاويات إلى زيادة تكاليف النقل، وانخفاض إيرادات قناة السويس خلال معظم شهور عام 2025 قبل أن تشهد انتعاشاً في الربع الأخير للعام. وقد أثرت هذه الديناميكيات في الأسواق من أوروبا إلى آسيا مؤكدةً أهمية الاستقرار البحري في الشرق الأوسط.
- الضغوط المالية في الدول الهشة/غير المستقرة:
واجهت دول مثل لبنان والسودان واليمن وسوريا ديوناً متزايدة، وقدرة محدودة على تحصيل الإيرادات، وتراجعاً في رغبة الجهات المانحة. ويهدد الانهيار الاقتصادي بترسيخ التشرذم السياسي وتأجيج تدفقات الهجرة.
- التوازن الاستراتيجي في دول الخليج:
واصلت دول الخليج الاستثمار في التنويع الاقتصادي وتقنيات التحول في قطاع الطاقة والاستثمارات العالمية. ووسعت صناديق الثروة السيادية نفوذها، إلا أن تحقيق التوازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين ظل تحدياً استراتيجياً حساساً.
مخاطر وفرص محتملة:
بالنظر للمستقبل، فإن عام 2026 يحمل مزيجاً من المخاطر الكبيرة والفرص المحتملة التي يمكن استغلالها. وتشمل المخاطر الرئيسية ما يلي:
1- إعادة ترسيخ اقتصادات الحرب:
إن ليبيا والسودان وأجزاء من اليمن معرضة لخطر تعزيز الاقتصادات غير المشروعة التي تُقوّض تعافي الدولة.
2- بيئة بحرية غير مستقرة:
في حال تعثرت الجهود الدبلوماسية في غزة، فمن شبه المؤكد أن العنف سيعود، وسيتحمل المدنيون الفلسطينيون وطأة القصف والتدمير الإسرائيلي العشوائي. كما يُمكن أن تستأنف الهجمات الملاحية في البحر الأحمر.
3- تصعيد التوترات بين إيران وإسرائيل:
قد تؤدي الحوادث الصغيرة إلى توسيع نطاق الصراع؛ إذا ما ضعفت القنوات الدبلوماسية أو إذا استخدمت إسرائيل "التهديد الإيراني" لصرف الانتباه عنها أو تخفيف الضغط عليها؛ مما يُعوق التقدم نحو حل القضية الفلسطينية.
4- انهيار المؤسسات في الدول الهشة/غير المستقرة:
قد يواجه لبنان وسوريا تفاقماً وانهياراً في الأوضاع الإنسانية والحوكمية.
في المقابل، هنالك مجموعة من الفرص الرئيسية، أبرزها ما يلي:
1- اتفاقية أمنية للبحر الأحمر:
يمكن للدول من الإقليم وخارجه إضفاء الطابع المؤسسي على الحماية البحرية المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
2- اتفاقيات سياسية مرتبطة بإعادة الإعمار:
يمكن لآليات إعادة الإعمار المشروطة والشفافة أن تخلق حوافز لخفض التصعيد في كل من غزة والسودان.
3- شراكات التحول في مجال الطاقة:
يمكن لدول الخليج الاستفادة من رأس مالها وبنيتها التحتية لتشكيل شراكات عالمية جديدة في مجالي الطاقة والتكنولوجيا.
4- البنية التحتية العابرة للحدود والتكامل الاقتصادي:
إذا استقرت الأوضاع الأمنية بالمنطقة؛ فإن ممرات التجارة الإقليمية التي تربط بلاد الشام والخليج وشمال إفريقيا يمكن أن تُحقق نمواً كبيراً.
أولويات 2026:
في إطار السعي لتحقيق الاستقرار والمكاسب الاستراتيجية المرجوة؛ ينبغي أن تبرز عدة أولويات أمام صناع السياسات خلال عام 2026، وتشمل هذه الأولويات بشكل رئيسي دعم وتطوير الجهود الدبلوماسية النشطة بشأن ما يلي:
1- فلسطين/إسرائيل:
ينبغي أن تُعطى الأولوية في الحوار إلى التنفيذ الكامل والدقيق لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة وصولاً إلى حل الدولتين.
2- السودان:
يُمثل الصراع الوحشي في السودان انتهاكاً صارخاً للإنسانية، ويجب أن يصبح أولوية للمجتمع الدولي. فأي تقسيم محتمل للسودان؛ سيفتح باباً واسعاً لمشكلات لا حصر لها ذات تداعيات استراتيجية على الجغرافيا السياسية لشرق إفريقيا.
3- الشفافية النووية الإيرانية:
إن الهدف من تلك الشفافية هو خفض التصعيد الإقليمي من خلال تجنب سوء التقدير بدلاً من تحقيق تحالف استراتيجي فوري.
4- ترسيخ الأمن الملاحي في البحر الأحمر والخليج:
ينبغي أن يجمع اتفاق أمني مشترك بين ترتيبات المرافقة البحرية، والاستخبارات المنسقة، ومجموعات التأمين لتقاسم المخاطر، والآليات الدبلوماسية لخفض التصعيد. ومن شأن هذا الاتفاق أن يقلل من ضعف التجارة العالمية ويزيل معطلات الملاحة البحرية.
5- تعزيز إعادة الإعمار في غزة والسودان وليبيا وأجزاء من سوريا:
يجب إنشاء صناديق ائتمانية متعددة للمانحين مشروطة بالشفافية وإصلاح عمليات الشراء وإشراك/دمج المجتمعات المحلية، مع تضمين آليات رقابة مستقلة؛ حيث إن تقديم مساعدات اقتصادية دون إصلاحٍ للحوكمة يُهدد بتعزيز الشبكات الاستغلالية.
6- مكافحة اقتصادات الحرب وشبكات التهريب:
ينبغي أن تركز المساعدة التقنية على تحديث الجمارك، وإصلاح الدعم، وإدارة الموانئ، والتدقيق القضائي للمؤسسات المملوكة للدولة. ويُعدّ كسر الحوافز المالية للجهات الفاعلة في الصراع أمراً أساسياً لتحقيق الاستقرار.
7- دعم المرونة الاقتصادية في الدول الهشة/غير المستقرة:
تشمل الأولويات العاجلة الأمن الغذائي والتعافي الزراعي في السودان واليمن، والاستقرار المالي ودعم الحوكمة في لبنان، وتنمية القدرات المحلية للإيرادات، وحماية الخدمات الأساسية. فمن شأن هذه الجهود أن تُساعد على منع الانهيار الإنساني وجعله عبئاً جيوسياسياً طويل الأمد.
إن الشرق الأوسط سيدخل على مفترق طرق مع بداية عام 2026. فالصراع المستمر في غزة، وهشاشة الأوضاع في لبنان وسوريا، واقتصادات الحرب التي ترسخت في ليبيا والسودان، والتقلبات الملاحية في البحر الأحمر كلها أمور تحمل تداعيات عالمية. ومع ذلك، توجد فرصٌ سانحة - من خلال بنية الأمن البحري، وإعادة الإعمار المرتبطة بالحوكمة، والدبلوماسية المدروسة- لوقف انزلاق المنطقة إلى حالة أعمق من عدم الاستقرار.
وأخيراً، يواجه صانعو السياسات مهمةً تتجاوز مجرد الاستجابة للأزمات. فالوقاية الاستراتيجية تتطلب بناء مؤسسات في ظل الفراغات القائمة، ومواءمة الحوافز الاقتصادية مع الاستقرار السياسي. وإذا ما تمّ اتباع هذا النهج باضطراد وتنسيق؛ فقد يُمثّل عام 2026 نقطة تحوّلٍ يبدأ عندها قوس عدم الاستقرار بالانحناء نحو نظام إقليمي أكثر استدامة، بدلاً من إراقة الدماء واللاإنسانية التي لا نهاية لها.
*وزير الخارجية المصري الأسبق